المسألة الحقوقية هي جوهر الحياة. أتذكر تمامًا التاريخ والمكان والمقهى، […]
المسألة الحقوقية هي جوهر الحياة. أتذكر تمامًا التاريخ والمكان والمقهى، والوقت التقريبي الذي تعرفت فيه على الصديق فتحي الهمامي، وهو تاريخ مرتبط بالإعداد لكتابه “صفاقس الحقوقية: تحديات وإنجازات (1978/2010)”. عندما أهداني كتابه الصادر في صائفة 2025، استحضرت ذاكرة 2022، واتفقنا على قراءته وتقديم ورقة عنه. تذكرنا الموقف، وشعرنا بالحنين إليه، ولاحظنا كيف مرت ثلاث سنوات بسرعة الضوء، بل أسرع من البريد الإلكتروني الذي ينقل البيانات بسرعة تصل إلى 96% مقارنة بالضوء. ومنذ ذلك الحين، نشأت بيننا صداقة متينة، كما وصفها جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده في باريس. يتميز فتحي الهمامي بهدوء الطبع، والطيبة، والابتسامة، وروح الدعابة اللطيفة، وشغفه بالقراءة. لقد سطر حكمته ومواقفه الإنسانية في كتابه، الذي ترك فيه بصمته الواضحة، فالمسألة الحقوقية عنده هي الأوكسجين والدم في الأوردة. لا تصدق أنه لا يوجد وقت! نحن بحاجة إلى تنظيم أوقاتنا لنعمل ونكتب وتستمر الحياة. لقد علمنا أجدادنا “العمل إلى الموت” و”الراحة في القبر”. عاش فتحي الهمامي حالة تسبق الشروع في الكتابة، وفُتحت له الأبواب. الكتاب يعرف من عنوانه، وهو سلطة مرجعية ووثيقة قيمة. “صفاقس الحقوقية” جاء بعد ثلاث سنوات من التدريب على التفكير والتحليل والمقارنة، وفك خيوط الأحداث والأسماء والأماكن والمواقف على مدى 32 عامًا. امتاز الكتاب بجدة الطرح وجديته. وتقول زوجته أن الكتاب قاسم بيته لمدة ثلاث سنوات، وملأه بالأوراق والتسجيلات والكتب، بالإضافة إلى الأفكار التي دونها في ذهنه. كانت رحلة بحث مشحونة بالقلق وبراكين الذكريات. وكما يُعرف البيت من بابه، يعرف الكتاب من عنوانه: “صفاقس الحقوقية” و”تحديات وإنجازات (1978/2010)”، وينقسم إلى أربعة أبواب تتناول مؤتمرات الرابطة، وجدلية الجهة والمركز، ولمحة عن حياة الرابطة التنظيمية، وشخصيات حقوقية لامعة. نستحضر هنا أسماء تاريخية بصفاقس: الهادي محفوظ، ومحمد عبد السلام بسباس، ومحمد الأمين اليوسفي، ومحمود بن محمد بن جماعة، وعبد الحميد بن محمد الحصايري، ونعيمة الهمامي اليوسفي، ونورالدين الفلاح، ود. محمد بن محمد السماوي، ولسعد الجموسي، وعبد العزيز عبد الناظر. كتب مقدمة الكتاب الأستاذ إبراهيم بن صالح، الذي ألف كتابًا عن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان. وهو عضو بالرابطة منذ 1982، ورئيس فرع صفاقس الجنوبية (2013/2016)، وعضو هيئتها المديرة منذ 2016. قرأ بن صالح كتاب الهمامي ثلاث مرات لتقديمه، وقدم المؤلف وكتابه في احتفاء استحق أن يناله من فرع صفاقس الجنوبية للرابطة، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الـ77 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان. قدم الأستاذ إبراهيم بن صالح الكتاب بمعرفة كبيرة، وقدم أيضًا صاحب الكتاب زميله الحقوقي فتحي الهمامي، فظهر تجاوب الأفكار وتراسلها بينهما. فتحي الهمامي ليس باحثًا أكاديميًا ولا مؤرخًا ولا باحثًا اجتماعيًا، هؤلاء كلهم صمتوا عن تاريخ فرع الرابطة بصفاقس، وعن تقييم تاريخ الاتحاد الجهوي للشغل بصفاقس، وعن تاريخ الحزب الشيوعي التونسي بصفاقس وجمعية المحافظة على البيئة والمحيط… وتركوا هذه التواريخ جانبًا، تمامًا مثل تاريخ صفاقس القديم، وتاريخ الحرب العالمية الثانية بصفاقس، وعلاقة صفاقس التاريخية بالبحر… كلها مواضيع مازالت تعاني من الإهمال. ومن حسن حظ الرابطة أن عرفت فتحي الهمامي، ليخوض هذه المغامرة بشجاعة تستند إلى التجربة والمعاينة وإلى طرح إشكاليات الباحث، ومعالجة صخب السؤال والتساؤل. راكم في كتابه الوثائق والأرشيفات والمصادر المعرفية (جرائد شمس الجنوب، الطريق الجديد، الرأي، الشعب، الموقف…) إلى جانب مؤلفات (إبراهيم بن صالح والهادي التيمومي، وزهير النيفر والبشير كمون، والعربي شويخة، وسهير بلحسن…) واستعان بذاكرة من التقى بهم، ومنحوه وقتهم وذكرياتهم، وكانوا له المرجع والمعين. فنجد على جانب النخبة المؤسسة (د.محمد علولو، عمر بن ضوء، جمال الدين بالعربي، المنجي الناصري، مختار اللواتي،….). كتب فتحي الهمامي في حدود صلاحياته، فهو حقوقي وكتب عن صفاقس الحقوقية، وهو رابطي، وكتب عن الرابطة محليًا ومركزيًا. ونشر “عديد المقالات في قضايا حقوق الإنسان والشأن السياسي ومشاغل مدينة صفاقس صدرت في الصحافة الجهوية والوطنية”. من حسن حظ الأسرة الحقوقية بصفاقس أنها عرفت فتحي الهمامي. كتاب فتحي الهمامي “صفاقس الحقوقية، تحديات وإنجازات 1978/2010” جاء في 317 صفحة من الحجم المتوسط، تزيّن غلافه أعلام تونس في باب بحر. سدّ الكتاب الكثير من الفراغ التاريخي والمعرفي لصفاقس الحقوقية، وقدم فيه المؤلف مسحًا تاريخيًا ومراجعة رصينة، ومنحه علامته المميزة. وهو تاريخ يناقش موضوعات ذات وزن ثقيل لا يمكن اقتطاعه من الذاكرة التاريخية الجمعية ولا يمكن نسيانه أو تجاهله بإنجازاته، وبجراحات الحقب التاريخية الملتهبة (أزمة 26 جانفي 1978، انتفاضة الخبز عام 1984، الأزمة النقابية 1985…). يمنح هذا الإصدار مجالًا واسعًا لإعادة قراءة هذه المساحة التاريخية وموضوعها الرئيس، وفق رؤى مغايرة تستخلص السمات الأساسية التي ميزت مقاربة فتحي الهمامي. يستحيل استنفاد جميع جوانبه في هذا العرض. الكتابة عند فتحي الهمامي مازالت متدفقة، ولا شك أنه مازال هناك ما يكتب، وطاقته التي سخرها في الكتابة لا يمكن أن تنقطع.
رضا القلال، مؤرخ وكاتب صحفي.














