تُعد جزر تشاغوس، تلك البقعة الاستوائية النائية والمحظورة على السياح، […]
تُعد جزر تشاغوس، تلك البقعة الاستوائية النائية والمحظورة على السياح، ملاذاً فريداً يضم أنقى الشعاب المرجانية في العالم، لكنها في الوقت ذاته بؤرة للجدل. فبعد ثلاثة أيام من الإبحار جنوباً من جزر المالديف، أحاطت بنا الغيوم الرعدية الكثيفة، لنشق طريقنا عبر ممر مرجاني، حتى لاحت أمامنا جزر خضراء غير مأهولة، لندرك أننا وصلنا إلى أرخبيل تشاغوس، أحد أكثر الجزر عزلة على وجه الأرض، والذي يتألف من سبع جزر مرجانية وستين جزيرة متناثرة في المحيط الهندي. تقع جزيرة سالومون، أقصى الجزر شمالاً، على بعد 286 ميلاً بحرياً جنوب المالديف، وهي مكان معزول يتطلب الاعتماد على الذات. وبعد ست سنوات من السفر حول العالم، وصلنا إلى هنا، لنشهد كيف وجدت هذه الجزر الصغيرة نفسها في خضم نزاع دولي بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة وموريشيوس، حول السيادة وإرث الاستعمار. فالمملكة المتحدة تسيطر على جزر تشاغوس منذ عام 1814، وقد فصلتها عن موريشيوس عام 1965، بينما تطالب موريشيوس بالسيادة عليها منذ استقلالها عام 1968. وفي ظل ضغوط دبلوماسية، وقعت المملكة المتحدة اتفاقية لتسليم إدارة الجزر إلى موريشيوس عام 2025، وهي خطوة أثارت جدلاً واسعاً. وبينما يتصارع القادة، تبقى جزر تشاغوس، بنظمها المرجانية السليمة وسمعتها الأسطورية، مكاناً نقياً ومسكوناً بالأشباح، حيث كانت ملاذاً للبحارة لشهور، قبل أن تُغلق أمام السياح. ولا يمكن استكشافها إلا بتصاريح مسبقة، لنشهد خلال إقامتنا التي استمرت أربعة أسابيع، الحياة البحرية الغنية، والشعاب المرجانية المتضررة، والطيور البحرية، والجرذان العملاقة، وسرطان جوز الهند. وفي جزيرة بودام، استكشفنا بقايا كنيسة وسجن ومدرسة، ومقبرة طُمست نقوشها، لندرك أن هناك من عاش هنا وتخيل مستقبله. وقد تواصلنا مع آن ماري جيندرون، من سكان تشاغوس السابقين، التي أُجليت قسراً في الستينيات، لتخبرنا عن حياتها في بودام، وعن إجبارهم على الرحيل لإفساح المجال للجيش الأمريكي، وعن معاناتهم في موريشيوس وسيشيل. فقد استوطن جزر تشاغوس الهولنديون والفرنسيون، الذين جلبوا الأفارقة المستعبدين، لتنشأ ثقافة مختلطة مميزة. وقبل إنشاء القاعدة العسكرية الأمريكية البريطانية في دييغو غارسيا، أصرت الولايات المتحدة على إخلاء المنطقة، ليتم طرد جميع السكان، ونقلهم إلى موريشيوس وسيشيل، دون تعويض أو سكن. وبعد عمليات الإخلاء، هُجرت معظم الجزر، وتحولت القرى إلى غابات. وعندما أُعلنت منطقة بحرية محمية واسعة في عام 2010، احتُفي بجزر تشاغوس كإنجاز بيئي. وفي عام 2025، أُعلن عن اتفاقية لنقل سيادة الجزر إلى موريشيوس، مع احتفاظ المملكة المتحدة بالسيطرة على دييغو غارسيا لمدة 99 عاماً. ويرى البعض أن هذا تقدم، بينما يرفضه آخرون، مثل فرانكي بونتيمبس، الذي يرى أن التمييز ضد شعب تشاغوس شكّل حياته. وفي يناير/كانون الثاني 2026، اعترضت الإدارة الأمريكية على المعاهدة، لتعود المفاوضات، وتتخذ القرارات دون مشاركة المتضررين. وتقول حكومة المملكة المتحدة إنها تواصلت مع مجتمعات جزر تشاغوس، بينما يرى العديد من سكان تشاغوس أن الأمر شخصي للغاية، حيث يموت كبار السن دون أن يروا وطنهم مرة أخرى. وفي حين يرحب البعض بإمكانية العودة إلى الجزر الخارجية، يحذر نشطاء البيئة من ضرورة إدارة أي عودة بشرية بعناية فائقة. فمستويات البحار ترتفع، وجزر تشاغوس تقع على مستوى منخفض، ويتشكل مستقبلها بفعل تغير المناخ والدبلوماسية. وإذا ما فُتحت أبواب السياحة، فمن المرجح أن تبقى محدودة، وقد تُدار من قبل أحفاد أولئك الذين طُردوا منها ذات يوم. وتقول آن ماري جيندرون: “كانت جزر تشاغوس جنة، لكنها كانت أيضاً موطننا”. ولا تزال صورة جزر تشاغوس معلقة فوق مكتبي، تُجسّد ما تبدو عليه من بعيد: خصبة، بكر، هادئة، لكنها لا تُظهر الأسماء الممحوة في المقبرة، والأصوات الغائبة عن المفاوضات، والأسئلة التي لا تزال تُطرح حول مستقبلها.
















