لم تعد الحروب محصورة في ساحاتها المباشرة، بل امتدت عبر وسائل التواصل لتصل إلى أماكن بعيدة، حيث يكفي أن يلتفت شخص إلى هاتفه لمتابعة مجزرة تبعد آلاف الكيلومترات. الكراهية لم تعد حبيسة منابعها الأصلية، بل تنتقل بسرعة إلى المستعدين لتلقيها، مما يقسم العالم حول أحداث لم يكن يشاهدها أو يعتبر نفسه معنياً بها سابقاً. فبالصوت والصورة، يتابع سكان “القرية الكونية” الكشف عن مقبرة جماعية، بعد أن كان الأمر يقتصر على التستر أو خبر في صحيفة محلية، دون أن يسافر التوتر ويعبر الحدود. العالم الذي شهد ثورات علمية وتكنولوجية متلاحقة، لم يشهد تقدماً إنسانياً موازياً في كبح الكراهية والقتل. التطرف وباء أخطر من الأوبئة الأخرى، وضحاياه أكثر، وهو ليس حكراً على فئة أو لون أو معتقد، بل يصل إلى حد شطب الآخر المختلف. حاول العالم محاصرة هذا الوباء بالمحاكم ومنظمات تسوية النزاعات، لكن التطرف استغل النزاعات المزمنة والظلم القديم وأزمات الهوية والخوف على الوجود. هجوم سيدني الإرهابي، الذي استهدف مدنيين في مناسبة دينية، لا ينفصل عن الغضب المتراكم بسبب ممارسات الجيش الإسرائيلي في أعقاب “طوفان الأقصى”، حيث شاهد الناس عمليات قتل وخراب غير مسبوقة. هذا الهجوم جاء في وقت ينتظر فيه الشرق الأوسط لقاء ترمب ونتنياهو، وفي أعقاب اعتراف دولي واسع بفلسطين، ما يهدد بتسوية النزاع على أساس حل الدولتين. الأخطر في الهجوم هو مساهمته في إعادة الحديث عن معاداة السامية ومساعدة نتنياهو على لعب دور الضحية. التطرف كامن ويستعد للانقضاض، وهجوم تدمر يذكر بأن “داعش” انحسر لكنه لم يمت. الشرق الأوسط يدفع ثمن الظلم والإقصاء، والحل يكمن في التقدم نحو السلام العادل وبناء دولة القانون والمؤسسات واحترام حقوق الإنسان ومحاصرة فكر التطرف، الذي اتكأ طويلاً على الظلم لتبرير وجوده.