هيومن رايتس ووتش: “هل تصمد حقوق الإنسان في عصر ترامب؟” […]
هيومن رايتس ووتش: “هل تصمد حقوق الإنسان في عصر ترامب؟”
قالت منظمة هيومن رايتس ووتش في مقدمة تقريرها السنوي لعام 2026، الذي يصدر الأربعاء 4 فبراير / شباط، إن التطورات السياسية في الولايات المتحدة والعالم تطرح سؤالا مصيريا بشأن مستقبل حقوق الإنسان في ظل عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى سدة الحكم.
يقول فيليب بولوبيون، المدير التنفيذي الجديد للمنظمة، إن “حقوق الإنسان لم تكن يوما مضمونة بطبيعتها، كما يؤكد الخبراء، بل انتُزعت تدريجيا بعد كوارث القرن العشرين، عندما قبلت الدول، ولو بشكل غير كامل، بأن تُقيد سلطة الدولة بالقانون والمؤسسات واحترام الكرامة الإنسانية”.
ويضيف بولوبيون، في مقال له بمناسبة التقرير الجديد الذي يستعرض ممارسات حقوق الإنسان في أكثر من 100 دولة بينها كل الدول العربية، أن اليوم “يبدو هذا البناء مهددا بالانهيار، فالنظام الدولي القائم على القواعد، والذي جعل حقوق الإنسان قابلة للتنفيذ، يتعرض لضغوط غير مسبوقة، سواء من إدارة ترامب أو من قوى كبرى مثل الصين وروسيا التي عملت لسنوات على إضعافه”.
ويشير التقرير الجديد إلى أن ذلك “يثير تساؤلا جوهريا: هل يمكن لحقوق الإنسان أن تعيش دون القواعد التي أنشأتها؟”.
ووفقا للتقرير، يرى محللون أن “البقاء ممكن، لكن ليس عبر التمسك بالوضع القائم المتداعي، بل من خلال بناء تحالف جديد وقوي لحقوق الإنسان، قادر على الدفاع عن القيم الأساسية حتى عندما تنسحب قوى عظمى من الالتزام بها، وجعل القمع مكلفا سياسيا واقتصاديا”.
ويقول إنه “على مدى العقدين الماضيين، شهدت الديمقراطية تراجعا على مستوى العالم، ومعها تراجعت الضوابط والآليات، مثل المحاكم المستقلة، والإعلام الحر، والمؤسسات الخاضعة للمساءلة، التي تجعل ارتكاب الانتهاكات أو إخفاءها أصعب. وعندما تتآكل الضمانات الديمقراطية، يتآكل معها كامل طيف الحقوق. وعلى الرغم من أن الديمقراطيات ليست علاجا سحريا لحقوق الإنسان، فإنها تظل أفضل دفاع نملكه”.
ويوضح التقرير أنه “رغم أن تراجع حقوق الإنسان سبق عودة ترامب، فإن إدارته خلال عام واحد فقط اتخذت خطوات اعتُبرت مقلقة، من إضعاف استقلال القضاء، وتسييس المؤسسات، إلى استخدام سلطة الدولة لترهيب منتقديها، بما في ذلك الصحفيون والجامعات”.
كما كشفت سياسات ترامب المتشددة تجاه الهجرة عن “تجاهل واضح لحقوق طالبي اللجوء والمهاجرين”.
على الصعيد الدولي، ووفقا للتقرير، “أبدت الإدارة الأمريكية استخفافا بالالتزامات القانونية الدولية، وانسحبت من هيئات متعددة الأطراف، وقلصت برامج مساعدات إنسانية منقذة للحياة، في وقت عززت فيه علاقاتها مع أنظمة استبدادية، ما أضعف مكانة حقوق الإنسان عالميا”.
وينبه إلى أن “هذا التراجع شجع قوى مثل الصين وروسيا على توسيع نفوذها، مستفيدة من غياب القيادة الأمريكية”.
وترى المنظمة أن “العواقب واضحة بالفعل، ولا سيما في سياق العدالة الدولية. فعلى سبيل المثال، ورغم كونه مطلوبا للمحكمة الجنائية الدولية، لم يواصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين السفر فحسب، بل التقى أيضا بالرئيس ترامب في ألاسكا. ولا تزال أوامر التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية ذات أثر ما، إذ تجنب بوتين قمم “بريكس” في جنوب إفريقيا والبرازيل، لكن الرسالة الأوسع مقلقة: إذا كنت قويا بما يكفي، يمكنك الإفلات من المساءلة”.
وفي سرده لما سماه سوء أوضاع حقوق الإنسان والحريات عبر العالم أنحى التقرير باللائمة على الرئيس الأمريكي واتهمه بتقويض “الثقة في قدسية الانتخابات، تقليص المساءلة الحكومية، مهاجمة استقلالية القضاء، تحدي أوامر المحاكم، تقليص المساعدات الغذائية وإعانات الرعاية الصحية، تراجع حقوق المرأة، تشجيع التمييز العنصري، ترهيب المعارضين السياسيين ووسائل الإعلام وشركات المحاماة والمجتمع المدني وحتى فناني الكوميديا”.
ويخلص المراقبون، كما ترى هيومن رايتس ووتش، إلى أن “حماية حقوق الإنسان لم تعد مسؤولية قوة واحدة، بل تتطلب تحالفا من الدول الديمقراطية التي تحترم الحقوق، يكون قادرا على فرض عقوبات على المنتهكين، ودعم الإعلام والمجتمع المدني، وحماية المؤسسات الدولية”.
لكن نجاح ذلك مرهون أيضا “بالشجاعة المدنية داخل الدول نفسها، حيث لا تستطيع المؤسسات الدفاع عن نفسها دون دعم شعبي واعٍ”.
في المقابل، قال توم حرب، العضو الجمهوري، إنه لا يرى تراجعا في حقوق الإنسان خلال عهد الرئيس ترامب، باستثناء ما يجري في سوريا. وأكد أن ترامب يتعامل مع الواقع كما هو، ويدعو إلى احترام الأقليات ورفض التشدد، معتبرا أن الاتهامات التي توجهها منظمات مثل هيومن رايتس ووتش للرئيس غير دقيقة وذات دوافع سياسية.
وأشار حرب إلى أن ترامب أوقف أو ساهم في تهدئة نزاعات عديدة في السودان وأفريقيا، وبين الهند وباكستان، وفي تايلاند وغزة، كما يسعى إلى إنهاء القتال بين روسيا وأوكرانيا. وأضاف أن أزمة فنزويلا انتهت بإزاحة مادورو دون حرب، معتبرا أن هذه السياسات تعكس محاولة جدية لإعادة التوازن ومنع إطالة الأزمات.
وعن وصف سياسات ترامب بالخشونة والفوضوية، قال حرب إن ذلك صحيح، لكنها خشونة تحقق نتائج سريعة. وأوضح أن الرئيس يسعى لحماية الاقتصاد الأمريكي، وضبط الهجرة المرتبطة بأنظمة الضمان الاجتماعي، وتحقيق توازن تجاري عادل، حتى إن بدا الأسلوب حادا. وختم بالقول إن هذه المقاربة قد تكون خارج الدبلوماسية التقليدية، لكنها مقبولة إذا كانت تحمي الاقتصاد الأمريكي على المدى البعيد.














