إن كتابة المذكرات ليست مجرد ترف شخصي أو استعادة للذكريات، بل هي فعل وعي تاريخي جوهري، ومحاولة لتدوين الخبرة قبل زوالها، وحفظ الذاكرة المؤسسية من النسيان. وتتضاعف أهمية هذا الفعل عندما يكون الكاتب دبلوماسياً عمل في محطات متنوعة، وشهد تحولات سياسية كبيرة، وشارك في بناء صورة الدولة ومصالحها في الخارج. لذا، تكتسب مذكرات السفراء، خاصة في دول الخليج، قيمة مضاعفة لتوثيقها تجربة حديثة نسبياً لدول دخلت العمل الدبلوماسي في عالم معقد. وفي هذا السياق، يبرز كتاب السفير سليمان سالم الفصام “أربعون عاماً: رحلة مع قافلة الدبلوماسية” كإضافة مهمة لمكتبة المذكرات الدبلوماسية الخليجية، إذ لا يقتصر على سرد المسار الوظيفي، بل يفتح نافذة على مراحل مفصلية في تاريخ المنطقة وكيفية تشكل الأداء الدبلوماسي الكويتي في بيئات سياسية متباينة. وقد عرف عن سفراء الخليج حرصهم على التدوين، وإن اختلفت لغات الكتابة ومقارباتها، فمنهم من كتب بالإنجليزية ومنهم من كتب بالعربية، لكن القاسم المشترك هو إدراكهم أن التجربة الدبلوماسية لا تكتمل إلا بتحويلها إلى معرفة مكتوبة متاحة للأجيال القادمة. ويتميز كتاب السفير الفصام بتنوع محطاته، من واشنطن إلى جدة ثم قنصلاً عاماً في دبي والإمارات الشمالية، فسفيراً في عدن والأردن، مسلطاً الضوء على قضايا جوهرية في العمل الدبلوماسي، مثل القيادة وأثرها في رفع كفاءة الأداء، وأهمية التعاون والشراكة في بناء الإنسان والمؤسسة، وتحديات التعامل مع قيادات مضطربة وصراعات داخلية، وهشاشة التحالفات المبنية على حسابات ظرفية. إن أهمية هذا الكتاب وغيره من مذكرات السفراء الخليجيين تكمن في توثيق الأحداث وتقديم مادة تعليمية غير مباشرة للأجيال الجديدة، مؤكداً أن الدبلوماسية ممارسة يومية معقدة تتداخل فيها السياسة بالأخلاق والمصلحة بالموقف، وأن دول الخليج تحتاج إلى أن يطلع جيلها الجديد على جهود السابقين في الدفاع عن أوطانهم، وكيف كانت الكويت مصدراً للدعم والتوازن في محيطها. لذا، فإن تشجيع السفراء السابقين على كتابة مذكراتهم وقراءتها بوعي نقدي هو جزء من بناء الذاكرة الوطنية وصيانة الخبرة الثمينة، وكتاب السفير سليمان سالم الفصام يندرج في هذا الإطار كشهادة صادقة على زمن عربي مضطرب وتجربة كويتية جديرة بأن تروى وتقرأ.