تشتهر ميونيخ بمتاجرها الأنيقة وسياراتها الفاخرة، لكن شوارعها تعج حالياً […]
تشتهر ميونيخ بمتاجرها الأنيقة وسياراتها الفاخرة، لكن شوارعها تعج حالياً بملصقات تروج لطائرات مسيرة حديثة، وشعار “أمن أوروبا قيد الإنشاء” يزين صوراً بالأبيض والأسود معلقة على كنيسة قيد الترميم. قبل سنوات، كان من الصعب تصور هذا العرض العسكري العلني، لكن العالم يتغير بسرعة، وألمانيا تتبعه. بافاريا أصبحت مركزاً لتكنولوجيا الدفاع، خاصة الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيرة والفضاء. يشعر السكان، كمعظم الأوروبيين، بالضعف بين روسيا التوسعية والصين الاقتصادية، والولايات المتحدة المتقلبة. استطلاع “يورو باروميتر” يظهر أن أكثر من ثلثي الأوروبيين يشعرون بالتهديد. المكتب الاتحادي الألماني للحماية المدنية حذر من أن الحرب لم تعد مستبعدة، ونصح بتخزين مواد غذائية تحسباً للطوارئ. ألمانيا هي أكبر مانح لأوكرانيا بعد توقف المساعدات الأمريكية، والناخبون يريدون المزيد من الحماية. السؤال هو: هل التحالفات التقليدية مع الولايات المتحدة كافية، أم يجب تنويع الشراكات مع دول مثل أستراليا وكوريا الجنوبية واليابان؟ الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، أشار إلى أن ميزانية الدفاع الألمانية ستتجاوز ميزانيتي بريطانيا وفرنسا مجتمعتين بحلول عام 2029، واصفاً مبلغ الـ150 مليار يورو بأنه “رقم مذهل”. ترامب ليس أول من يطالب أوروبا بتحمل مسؤولية أمنها، لكن لهجته أكثر حدة. مؤتمر ميونيخ للأمن ركز على العلاقات الهشة عبر الأطلسي، ورغم أن هذه اللقاءات قد تبدو مجرد منصات للحديث، إلا أنها قد تحدث فرقاً في أوقات الاضطراب. خطاب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو كان الأكثر ترقباً، لأن العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة لم تكن بهذا التوتر منذ الحرب العالمية الثانية. ترامب انتقد قادة أوروبيين وفرض رسوماً جمركية، وهدد سيادة الدنمارك على غرينلاند. رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن بدت غاضبة من طموحات ترامب بشأن غرينلاند. ترامب تراجع مؤقتاً عن استخدام القوة أو فرض عقوبات اقتصادية، لكن الثقة عبر الأطلسي تضررت. الأوروبيون يرون في ترامب رئيساً ذا نزعة تعاملية، يستخدم العلاقات الأمنية والاقتصادية لتحقيق أهدافه. منتقدون في الولايات المتحدة يقولون إن أوروبا تمكنت من إدارة دول رفاه سخية لأن واشنطن تحملت العبء الأكبر من تكاليف الأمن والدفاع. وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قال إن زمن الدعم القوي من الولايات المتحدة قد انتهى. أزمة غرينلاند وإجراءات أخرى اتخذتها إدارة ترامب تركت جراحاً عميقة وأثارت شعوراً مقلقاً بالحذر. خطاب روبيو حمل نبرة تقارب تاريخي، وأكد أن مصير الولايات المتحدة متشابك مع مصير أوروبا. القادة الأوروبيون استقبلوا كلماته بحماسة، وشعروا بالارتياح لأنه لم يهدد أو يوبخ أوروبا. خطاب روبيو ظل وفياً لموضوعات قريبة من توجهات إدارة ترامب، مثل معارضة التحرك المناخي والتشكيك في العولمة والهجرة. الولايات المتحدة لا ترغب في حلفاء يتمسكون بالوضع القائم القديم، بل تسعى إلى شق مسار جديد بالشراكة مع أوروبا، ولكن فقط إذا تقاسمت معها القيم نفسها. دبلوماسي أوروبي وصف الأمر بأنه “شريك مسيء نفسياً”، يذكر أوروبا بمدى روعة العلاقة عبر الأطلسي في الماضي، ثم ينتقل إلى الإكراه. دبلوماسي آخر أشار إلى أن روبيو اختار زيارة سلوفاكيا والمجر بعد إلقاء خطابه في ألمانيا، وهما من أكثر أعضاء الاتحاد الأوروبي إثارة للجدل. لهجة روبيو الأكثر ليونة أحدثت انقساماً بين القادة الأوروبيين. رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، شددت على هشاشة العلاقة الراهنة مع الولايات المتحدة، قائلة إن بعض الخطوط التي لا يمكن التراجع عنها قد تم تجاوزها. هل ستتخذ بعض الدول الأوروبية من النبرة الودية في خطاب روبيو ذريعة لعدم التسرع في زيادة الإنفاق الدفاعي؟ رايتشل إيليهوس، المديرة العامة لمركز الأبحاث الدفاعي “روسي”، ترى شرخاً يتسع في أنحاء القارة الأوروبية. دول الشمال والبلطيق وألمانيا وهولندا تنفق مبالغ كبيرة على الدفاع، بينما دول في جنوب أوروبا، مثل إسبانيا، ترفض صراحة رفع ميزانياتها الدفاعية. فرنسا وبريطانيا تعلنان التزامهما بزيادة الإنفاق الدفاعي، لكنهما لا تزالان تبحثان عن “حل سياسي مؤقت” يساعدهما على إقناع الناخبين بالتضحيات التي سيتطلبها ذلك. على الأوروبيين أن يبدأوا العمل فوراً وأن يركزوا جهودهم، وأمامهم ما بين خمس إلى عشر سنوات ليتمكنوا من الاعتماد على أنفسهم في مجال القدرات الدفاعية التقليدية. مساعد وزير الدفاع الأمريكي إلبريدج كولبي أكد أن أوروبا لم تعد أولوية للولايات المتحدة، بل منطقة المحيطين الهندي والهادئ. الولايات المتحدة ستعيد ترتيب أولوياتها للدفاع عن أراضيها وحماية مصالحها في نصف كرتها، وستقلص قدراتها في أوروبا لتصبح “حضوراً أكثر محدودية وتركيزاً”. على أوروبا أن تصبح شريكاً لا تابعاً، داعياً إلى صيغة جديدة سمّاها “ناتو 3.0”. النظام العالمي القديم الذي كان الغرب في مركزه قد تلاشى، لكن مؤتمر ميونيخ للأمن أظهر أن ما سيأتي بعد ذلك في العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة لا يزال مفتوحاً على جميع الاحتمالات. ماركو روبيو دعا إلى قرن جديد من الحضارة الغربية، وإلبريدج كولبي يدعو إلى إعادة تصميم حلف الناتو، فيما ناشد رئيس الوزراء البريطاني في ميونيخ إعادة صياغة التحالف الغربي. السير كير ستارمر تحدث مؤيداً لمزيد من التكامل بين المملكة المتحدة وأوروبا في المجال الدفاعي، بهدف خفض تكاليف إعادة التسلح، مؤكداً في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني إدارة الظهر للولايات المتحدة. صوفيا غاستون، خبيرة الأمن القومي في كلية كينغز في لندن، قالت إن ستارمر تمكن في ميونيخ من التعبير بصورة أوضح عن تعقيدات الرؤية الاستراتيجية لبريطانيا. العامل الحاسم هو امتلاك فهم راسخ للمصلحة الوطنية ولأدوات القوة والنفوذ المتاحة. في هذه الأوقات المتسارعة وغير المتوقعة، يتجه قادة أوروبا بشكل متزايد إلى تشكيل تحالفات مرنة وانتقائية، إلى جانب الأطر التقليدية مثل حلف شمال الأطلسي أو الاتحاد الأوروبي. هناك ما يعرف بـ”تحالف الراغبين”، وهو مجموعة من الدول تقودها المملكة المتحدة وفرنسا، تشكلت بهدف ضمان سيادة أوكرانيا. كندا تعمل بشكل متزايد جنباً إلى جنب مع دول الشمال الأوروبي ودول البلطيق التي تتقاسم معها التحديات الجيوسياسية والقيم المشتركة. أحد صناع السياسات الأوروبيين قال مازحاً إن كندا “تصبح أكثر فأكثر أوروبية يوماً بعد يوم”، وأن اليابان وكوريا الجنوبية باتتا تعدان أيضاً جزءاً من “عائلة الدول المتقاربة في التوجهات”. هذه الائتلافات المرنة لا تقتصر على المجال الدفاعي وحده. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا منذ وقت طويل إلى تعزيز ما يسميه “الاستقلالية الاستراتيجية” لأوروبا، ليس فقط في الإطار الأمني التقليدي، بل أيضاً في مجالات أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتكنولوجيات الجديدة. وفي ميونيخ، أوصى أوروبا بأن تعمل على “تقليل المخاطر” في علاقاتها مع جميع القوى الخارجية. رئيسة المفوضية الأوروبية أقرت بأنه إذا لم يتحرك الاتحاد الأوروبي بالسرعة الكافية لتعزيز قدرته التنافسية، فإن “مجموعة من دوله الأعضاء ستمضي قدماً بمفردها”. محاولات مجموعات أصغر من الدول الأوروبية للعمل معاً لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي لا تنجح دائماً. الخلاف القائم حالياً بين فرنسا وألمانيا بشأن مشروعهما المشترك لتطوير الجيل المقبل من الطائرات المقاتلة ضمن برنامج “نظام القتال الجوي المستقبلي” (FCAS) خير دليل على ذلك. رغم كثرة الحديث عن بناء استقلالية أوروبية، شكل مؤتمر هذا الأسبوع تذكيراً بمدى اعتماد أوروبا المستمر على الدعم الأمني الأمريكي. كما أبرز المؤتمر الفجوة الكبيرة التي لا تزال تفصل أوروبا عن الولايات المتحدة في مجال الابتكار التكنولوجي المتقدم. التحولات التي تشهدها أوروبا اليوم تبدو مرشحة لأن تكون أعمق وأطول أمداً من مجرد آليات قصيرة المدى صُممت “للنجاة” من دونالد ترامب. فالعالم بات يتحرك بإيقاع سياسات القوى الكبرى، وحتى أوروبا، المعروفة ببطء حركتها، تجد نفسها مضطرة للتكيف.












