إذا كنت قد تناولت ذرة أو فاصوليا خضراء أو بصلاً […]
إذا كنت قد تناولت ذرة أو فاصوليا خضراء أو بصلاً ربيعياً في بريطانيا هذا الشتاء، فمن المحتمل أنها قادمة من مزرعتين تقعان على أطراف الصحراء الكبرى في شمال السنغال، لتصبح هذه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا مورداً غذائياً مهماً للمملكة المتحدة، فهل هذا أمر إيجابي؟ وسط الخضرة الكثيفة، تسمع صوت ديارا قبل أن تراها، فهي تحصد أكواز الذرة بوفرة، والنباتات طويلة لدرجة أنها تكاد تختفي وسطها، والعمل هنا مضنٍ، ففي هذه المنطقة الشمالية من السنغال، القريبة من الصحراء، قد تتجاوز الحرارة 35 درجة مئوية مع ندرة الأمطار، وتعمل ديارا وفريقها بسرعة لنقل الأكواز إلى محطة تبريد، ثم إلى ميناء دكار، لتُشحن إلى بريطانيا في غضون ستة أيام. ديارا هي واحدة من بين 9 آلاف موظف، غالبيتهم من النساء، يعملون في مزرعتين بريطانيتين في منطقة سانت لويس، ففي الفترة بين يناير ومارس، ستجد في متاجر المملكة المتحدة الكبرى مثل تيسكو وسينسبري وأسدا وألدي وليدل، بصلًا أخضر وفجلًا وفاصوليا خضراء وفلفل حار وقرع عسلي وذرة تحمل علامة “منتجات السنغال”. المناخ الحار والتربة الرملية الجافة تجعل هذه المنطقة غير مناسبة للزراعة، ولكن على حافة الصحراء، تزرع شركتا “جي فريش” و”بارفوتس” كميات متزايدة من الغذاء منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما بدأ مايكل لوران باستخدام “غوغل إيرث” لتحديد مواقع جديدة للإنتاج الغذائي، مدركاً وفرة أشعة الشمس والأراضي والعمالة في سانت لويس، وبالرغم من قلة الأمطار، يستمدون المياه من نهر السنغال الذي يبلغ طوله 1600 كيلومتر عبر شبكة معقدة من القنوات والمضخات، ليحوّلوا الأراضي القاحلة إلى مزارع خضراء تغطي ألفي هكتار، أي ما يعادل 3 آلاف ملعب كرة قدم، وتدير “جي فريش” فرعها السنغالي “مزارع غرب أفريقيا” على مساحة 500 هكتار، وتورّد أسبوعياً مليوني حزمة من البصل الأخضر و100 طن من الفاصوليا الخضراء و80 طناً من الفجل، ويُباع 70% من الإنتاج في المملكة المتحدة، بينما يُوزّع الباقي في ألمانيا وهولندا، أما المزرعة الأكبر فهي مشروع مشترك بين “بارفوتس” و”إس سي إل”، وتُزوّد المملكة المتحدة بـ 55 مليون كوز من الذرة سنوياً، بالإضافة إلى الفلفل الحار والقرع العسلي والفاصوليا الخضراء، وتُنقل الخضراوات إلى ميناء داكار، ومن ثم إلى بول في دورست، وتستورد المملكة المتحدة 40% من غذائها، وقد تصل واردات المنتجات الطازجة في الشتاء إلى 90%، وكانت معظم الواردات تأتي من جنوب أوروبا وأمريكا اللاتينية، بينما كانت المنتجات المنقولة جواً تأتي من شرق أفريقيا، أما غرب أفريقيا فهي وافد جديد، ويعزو المحلل مايك نولز هذا التوجه إلى المنافسة على الأراضي حول البحر الأبيض المتوسط والجفاف في إسبانيا وتراجع الإقبال على النقل الجوي، بالإضافة إلى خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ما جعل السنغال وجهة أكثر جاذبية، فهي تتمتع باستقرار سياسي واقتصادي نسبي، ولا يُسمح للشركات الأجنبية بشراء الأراضي، ولكن يمكن إبرام عقود إيجار طويلة الأجل، ويقول جوليان ماركس من “بارفوت”: “استثمرنا حوالي 70 مليون جنيه إسترليني في السنغال”، وهناك ضغط لتوسيع نطاق الأعمال لتلبية طلب المستهلكين البريطانيين على مدار العام، ويُعدّ توفير 9 آلاف وظيفة إنجازاً مهماً في ظل ارتفاع نسبة البطالة في السنغال، وكان الناشط الحاج “أردو” سامبا سو ينظر إلى المزارع الأجنبية كشكل من أشكال الاستعمار الجديد، ولكنه الآن أكثر تفاؤلاً، ويضمن غالبية العاملين الحد الأدنى للأجور للعمال الزراعيين في السنغال، ويحصل جامعو الثمار على مكافآت إذا تجاوزوا الأهداف اليومية، ويُقرّ ميشيل لوران بأن الأجور “ليست مرتفعة”، ولكن “هوامش الربح منخفضة للغاية”، وتُعدّ الأجور المنخفضة سبباً آخر قد يدفع المزارع في السنغال إلى التوسع، ويقول ديريك ويلكنسون من “جي فريش”: “تُشكّل تكلفة العمالة 60% من التكلفة الإجمالية في المملكة المتحدة، أما في السنغال، فتُمثّل العمالة أقل من الثلث”، ويعتقد ويلكنسون أنه في ظل الاتجاهات الحالية، سيصبح من المجدي اقتصادياً قريباً استبدال واردات من السنغال بالمزيد من الإنتاج البريطاني، ويضيف: “سيعود القرار للمستهلك”، ولكن هل يُعدّ شحن الخضراوات من السنغال إلى المملكة المتحدة أمراً جيداً؟ يجيب تيم لانغ، الذي صاغ مصطلح “أميال الغذاء”: “لا”، فالشحن البحري يُساهم بنسبة 3% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، ويقول لانغ: “ينبغي علينا أن نربط أنظمتنا الغذائية بالفصول قدر الإمكان، وبدلاً من الاستيراد من أفريقيا، نحتاج إلى استكشاف مجموعة أوسع من المحاصيل التي يمكن زراعتها في المملكة المتحدة”.












