في منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت “مرتفعات وذرينغ” لإميلي برونتي، […]
في منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت “مرتفعات وذرينغ” لإميلي برونتي، لتأسر القراء وتثير جدلاً نقدياً واسعاً بقصتها عن الحب العنيف والانتقام الشرس. نشرت برونتي الرواية تحت اسم مستعار “إليس بيل”، واستقبلت بتباين شديد عام 1847، حيث هاجمها البعض ووصفوها بـ “القسوة الوحشية” و”الحب الهمجي”، بينما أشاد آخرون بـ “قوتها وذكائها الفني” وشخصياتها “القوية والصادقة”، واعتبرها البعض الآخر “غريبة الأطوار”. وبالنظر إلى المعايير الأخلاقية الصارمة في ذلك العصر، كان من المفهوم صدمة قراء القرن التاسع عشر، كما تقول كلير أوكالاهان، أستاذة الأدب الفيكتوري. بعد ثلاث سنوات، كشفت شارلوت برونتي عن هوية المؤلفة الحقيقية، مؤكدة أن “إليس بيل” هي شقيقتها إيميلي، وأشارت إلى أن الرواية لم تنل التقدير الكافي. أصبحت “مرتفعات وذرينغ” عملاً كلاسيكياً في الأدب القوطي، ولا تزال كلمات شارلوت برونتي مؤثرة حتى اليوم. تستعد إميرالد فينيل لتقديم رؤيتها الخاصة للرواية في فيلم جديد، بطولة مارغوت روبي وجاكوب إيلوردي، أثار جدلاً بسبب سن الممثلين وأصولهم ومشاهد جنسية وأزياء غير دقيقة تاريخياً. تساءلت فينيل عما إذا كانت رؤيتها ستنصف الرواية “شديدة الكثافة والمعقدة”، مما يطرح سؤالاً حول سبب استمرار هذه الرواية في إثارة الحيرة والجدل. وصفت فينيل الرواية بأنها معقدة بسبب بنيتها السردية غير المباشرة وتعدد الرواة، مما أربك القارئ. فالرواية تقفز بين الماضي والحاضر، وتمتد لثلاثين عاماً، وتعتمد على راويين غير موثوقين هما لوكوود ونيللي دين. يمثل لوكوود المتفرج الفضولي، بينما تسرد نيللي القصة بذاكرة شبه كاملة، وتتدخل في الأحداث. الفيلم يتبنى شعار “أعظم قصة حب على مر العصور”، لكن وصفها بأنها قصة انتقام قد يكون أدق، فالرواية تحتوي على حب رومانسي عنيف، لكن هيثكليف ليس بطلاً رومانسياً، وكاثرين شخصية مثيرة للجدل، ورغم الرابط القوي بينهما، إلا أنه محكوم عليه بالفشل. يتكامل البناء السردي مع موضوعي الحب العنيف والانتقام، وصدرت الرواية في مجلدين، الأول يركز على كاثرين وهيثكليف، والثاني على جيل الأبناء. في الجزء الأول، تسعى برونتي لكسب تعاطف القارئ مع هيثكليف، الذي يُعامل كدخيل ويتعرض للإيذاء. ورغم تصريح كاثرين “أنا هيثكليف”، إلا أنها تتزوج من إدغار لينتون الثري. يزداد انتقام هيثكليف في النصف الثاني من الرواية، ويهيمن طغيانه الوحشي، ويمارس العنف ضد زوجته إيزابيلا وأطفال العائلة. تجاوزت بعض المعالجات السينمائية النصف الثاني من الرواية بسبب قسوته، وينتهي فيلم 1939 بعد وفاة كاثرين، بينما حاولت أعمال أخرى احتواء القصة كاملة. ترى أوكالاهان أن تجاهل الجزء الأخير “غير فعال”، وتضيف أن الحب والانتقام هما المحركان الأساسيان للرواية. يحيا هيثكليف حياة معذبة، وترى أوكالاهان أن عدم معاقبته يهدف إلى طرح أسئلة أكثر تعقيداً حول الحب والزواج والعنف. تميل الثقافة الشعبية إلى اختزال الرواية في قصة حب عظيمة، لكنها تظل قادرة على الصدمة. كما يُساء فهم الرواية واعتبارها قاتمة على نحو متواصل، في حين أنها تكون في بعض لحظاتها طريفة، فشخصية لوكوود تحمل نزعة متعالية تنطوي على بعض الطرافة. لم تعش إيميلي برونتي لترى نجاح روايتها، وتوفيت عن عمر ناهز 30 عاماً، تاركة وراءها تحفة أدبية. سواء كنت من المعجبين أو المنتقدين، فإن الحبكة المثيرة للاضطراب والرومانسية القاسية منحت “مرتفعات وذرينغ” جمهورها عبر تاريخها. ورغم ذلك، يبقى السؤال عما إذا كان بإمكان أي شخص أن يقدم هذا الكتاب على الشاشة بشكل لائق أم لا، ولعلنا نتفق مع ناقد مجهول: “يستحيل أن تبدأ قراءتها دون أن تكملها، ويستحيل أيضاً أن تضعها جانباً دون أن تعلق عليها”.












