أثار تدخل الجيش الإندونيسي في مشروع “مجلس السلام” في غزة […]
أثار تدخل الجيش الإندونيسي في مشروع “مجلس السلام” في غزة جدلاً واسعاً بين مؤيد ومعارض، علماً بأن إندونيسيا أرسلت على مدى 70 عاماً قوات للمشاركة في مهام أممية لحفظ السلام في مناطق نزاع بأفريقيا وآسيا وأوروبا، حيث حظي الجيش بإشادة، لكن بعض أفراده تعرضوا للاختطاف والقتل. وتعد إندونيسيا من بين خمس دول سترسل قوات إلى “قوة الاستقرار الدولية” في غزة، إلى جانب كوسوفو وكازاخستان وألبانيا والمغرب، علماً بأن المغرب هي الدولة الوحيدة من بين هذه الدول التي لديها خبرة في إرسال قوات ضمن قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، إلا أن عدد جنودها أقل من عدد الجنود الإندونيسيين، إذ تُعدّ إندونيسيا من بين أكبر عشر دول مساهمة في هذا البرنامج التابع لمجلس الأمن الدولي. وتختلف “قوة الاستقرار الدولية” عن بعثات الأمم المتحدة، فهي لا تخضع لسيطرة مجلس الأمن، بل لهيئة تُسمّى “مجلس السلام”، ومع ذلك، أعرب مجلس الأمن عن دعمه للمجلس في جلسته المنعقدة في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ومنح الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما في ذلك إندونيسيا، الحق في الانضمام إلى قوة الاستقرار الدولية. وستتعاون الدول التي سترسل قوات، بما فيها إندونيسيا، مع إسرائيل ومصر، وستتولى قوة الاستقرار الدولية تنفيذ ست مهام في غزة، من بينها تأمين المناطق الحدودية، وحماية المدنيين، وتدريب مرشحي الشرطة الفلسطينية، وتأمين “الممرات الإنسانية”، والمشاركة في نزع السلاح، بما في ذلك تدمير البنية التحتية العسكرية وتجريد حماس من سلاحها، وهو ما يراه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شرطاً أساسياً لـ”مشروع إعادة إعمار غزة”. ويرى الخبير الدفاعي مرادي أن مهمة نزع سلاح حماس قد تمثل أكبر خطر على الجيش الإندونيسي، وأن الانخراط في هذه العملية سيضع إندونيسيا في موقع غير محايد، وهو ما لا يتماشى مع دستور البلاد وسياستها الخارجية. وتسعى إسرائيل لتدمير الأنفاق التي بنتها حماس في غزة، والتي وثقتها وسائل الإعلام، وتعترف حماس باستخدامها كجزء من إستراتيجية قتالية ضد الجيش الإسرائيلي. وبحسب هيئة البث الإسرائيلية، سيتواجد الجيش الإندونيسي في جنوب قطاع غزة، وتحديداً حول رفح وخان يونس، حيث تُعدّ رفح معبراً حيوياً لسكان غزة وبوابة لإيصال المساعدات الإنسانية. ويرى الجنرال المتقاعد أمير أفيفي أن إسرائيل قد سوّت رفح بالأرض، وستقيم مخيمات للمدنيين الفلسطينيين، وسيُقام المجمع السكني فوق أنفاق حماس، وهو ما يراه الخبير في دراسات السلام هيرو سوسيتيو نوسوانتو “منطقة حساسة لحماس”، وقد تعتبر حماس القوات الإندونيسية قوات معادية، وقد تشهد القوات الإندونيسية انتقالاً من دعم السلام إلى مكافحة التمرد أو مكافحة الإرهاب، وهو ما قد يدخلها بشكل غير مباشر في الصراع بين حماس والجيش الإسرائيلي. ويضيف هيرو أن الأنفاق في رفح ليست مجرد أداة دفاعية لحماس، بل تمثل أيضاً رمزاً للمقاومة ضد إسرائيل، وأن الجيش الإندونيسي معرض لخطر انتهاك القانون الإنساني الدولي، وسيواجه صعوبة في التمييز بين من يحمل صفة مقاتل ومن لا يحملها في المنطقة. من جهته، ادعى وزير الخارجية سوجونو أن وجود إندونيسيا في قوات الاستقرار الدولية لا يرتبط بوجود أو غياب العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، ونفى مشاركة الجيش الإندونيسي في نزع سلاح وتفكيك أنفاق حماس، مؤكداً أن المبادئ التوجيهية تسمح بفرض حدود أكثر صرامة مما ورد في قرارات مجلس الأمن، وأن الجيش الإندونيسي سيقوم بحماية المجتمع المدني والمشاركة في الجهود الإنسانية، وسيُسمح له باستخدام القوة المسلحة فقط للدفاع عن أنفسهم ولتنفيذ تفويضهم، مع التأكيد على أن استخدام القوة يجب أن يكون متناسباً، وكملاذ أخير، وأن يتم وفقاً للقانون الدولي. وأثير السؤال عن تكاليف عمليات الجيش الإندونيسي في غزة، حيث تقول خبيرة العلاقات الدولية ديوي فورتونا أنور إن مشاركة الجيش الإندونيسي في بعثات حفظ السلام تم تمويلها من قبل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وإذا كانت المهمة خارج نطاق الأمم المتحدة، فستتحمل الدولة المرسلة للقوات أو السلطات الإقليمية المستقبلة التكاليف، مشيرة إلى أن إندونيسيا ملزمة أيضاً بإيداع مساهمات بقيمة حوالي 17 تريليون روبية لمجلس السلام، وسيتم دفعها من ميزانية وزارة الدفاع. وبحسب سوجونو، ستتحمل الحكومة وأولئك الذين أبدوا دعمهم لمجلس السلام تكاليف عمليات الجيش الإندونيسي في غزة. ويمتلك الجيش الإندونيسي سجلاً طويلاً في عمليات حفظ السلام التي تبادر بها الأمم المتحدة، حيث أرسلت قوات إلى عدة دول تعاني أو عانت مؤخراً من الحروب، وأنشأت وكالة خاصة تُعنى باختيار وتدريب الجنود المقرر إرسالهم للعمليات تحت إشراف مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وتسمى “مركز بعثات حفظ السلام”. وبحسب بيانات الوكالة، فقد أرسلت إندونيسيا من عام 1957 حتى 2020 نحو 45,087 جندياً إلى بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. وفي عام 2012، أشاد الأمين العام السابق للأمم المتحدة بان كي مون بمساهمة إندونيسيا في برنامج بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، مؤكداً أن إنشاء الوكالة المسؤولة عن اختيار وتدريب قوات حفظ السلام يعكس رؤية إندونيسيا طويلة الأمد من أجل “السلام العالمي”. وفي الواقع، أرسلت إندونيسيا جنوداً في بعثات خارجية لم تكن مبادرات من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كما حدث في أوائل السبعينيات، عندما أرسلت إندونيسيا أعضاء من القوات المسلحة لجمهورية إندونيسيا إلى فيتنام، حيث انضمت إندونيسيا وثلاث دول أخرى إلى لجنة دولية للرقابة والإشراف لمتابعة المصالحة بين الولايات المتحدة وفيتنام بعد انتهاء حرب فيتنام. لكن مهمة القوات المسلحة الإندونيسية في فيتنام في ذلك الوقت لم تسر بسلاسة، إذ اعتُقد أن الجيش غير قادر على أن يكون “حكماً” في عملية وقف إطلاق النار بين قوات فيت كونغ والقوات المدعومة من الولايات المتحدة، وتعرض لإطلاق النار من قبل فيت كونغ، وأسرت قوات فيت كونغ جندياً إندونيسياً، القبطان مولكان. وفي السنوات الأخيرة، لم يتمكن الجنود الإندونيسيون المنضمون إلى بعثات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة من تجنب خطر التواجد في مناطق النزاع، ففي يونيو/حزيران 2020، قُتل الرقيب أول راما واهيدي في هجوم شنته ميليشيا مسلحة في جمهورية الكونغو، وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، أُصيب جنديان إندونيسيان يخدمان في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) جراء هجوم عسكري إسرائيلي. وقالت ديوي فورتونا أنور إن الجنود الذين يُرسلون إلى مناطق ما بعد النزاع سيواجهون دائماً مخاطر جسيمة لأن الوضع في المنطقة “غير آمن بالفعل”، لكنها لم تشكك في مهارات القوات المسلحة الإندونيسية، ولا في قدرتهم على التواصل مع المجتمع المحلي. وفي بيانه الأخير، قال حازم قاسم، المتحدث باسم حماس، إن الحركة ستقبل بوصول قوة الاستقرار الدولية، بشرط ألا يتدخل جنودها في الشؤون الداخلية لغزة.












