في أول ظهور إعلامي له عقب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس […]
في أول ظهور إعلامي له عقب اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن الولايات المتحدة “لن تتجاهل عقيدة مونرو بعد اليوم”، في إشارة واضحة إلى المبدأ التاريخي الذي يعتبر النصف الغربي من الكرة الأرضية منطقة نفوذ حيوية للولايات المتحدة. وأكد ترامب أن هذه العملية “تثبت أن الهيمنة الأمريكية في النصف الغربي لا تقبل الشك مستقبلاً”. وأضاف أن العملية تتفق بشكل كبير مع “عقيدة مونرو”، نسبة إلى الرئيس الخامس للولايات المتحدة، جيمس مونرو، والتي أطلق عليها ترامب اسم “عقيدة دونرو”. فما هي عقيدة مونرو؟ يرى العديد من الخبراء أن عقيدة مونرو كانت حجر الزاوية في السياسة الخارجية الأمريكية على مدى القرنين الماضيين، وتعود التسمية إلى الرئيس جيمس مونرو (1817-1825) الذي تبنى سياسة معارضة للاستعمار الأوروبي في النصف الغربي من الكرة الأرضية. وفي رسالته السنوية إلى الكونغرس في عام 1823، تحدث مونرو عن أربعة مبادئ رئيسية: عدم تدخل الولايات المتحدة في الشؤون الداخلية للقوى الأوروبية أو حروبها، والاعتراف بالمستعمرات الأوروبية الموجودة في النصف الغربي، وعدم السماح للقوى الغربية باستعمار مناطق جديدة في المستقبل، واعتبار أي محاولة أوروبية للسيطرة على دول في النصف الغربي عملاً عدائياً ضد الولايات المتحدة. وأعلن مونرو أن “العالم القديم” و”العالم الجديد” لهما نظم مختلفة ويجب أن يظلا منفصلين. في تلك الفترة، كانت معظم دول أمريكا اللاتينية قد استقلت عن إسبانيا والبرتغال، واعترفت أمريكا بخمس جمهوريات جديدة. لكن الولايات المتحدة كانت تخشى محاولات القوى الأوروبية لإعادة استعمار المنطقة، وتطلعات روسيا التوسعية في الساحل الشمالي الغربي لأمريكا الشمالية. وتشير المراجع التاريخية إلى أن بريطانيا كانت تشارك أمريكا هذه المخاوف، واقترح وزير الخارجية البريطاني إعلاناً مشتركاً يحظر أي استعمار مستقبلي لأمريكا اللاتينية. لكن وزير الخارجية الأمريكي جون كوينسي أدامز أقنع مونرو بإصدار إعلان أحادي، خشية أن يقلل الإعلان المشترك فرص الولايات المتحدة التوسعية. لم تكن الولايات المتحدة قادرة على إنفاذ مبادئ مونرو آنذاك، ولم يكن للقوى الأوروبية نوايا جادة للعودة إلى أمريكا اللاتينية، لذا لم يكن للإعلان صدى خارج أمريكا. وبينما قال مونرو إن النصف الغربي لم يعد متاحاً للاستعمار الأوروبي، أضاف الرئيس جيمس كي بولك بنداً يمنع الدول الأوروبية من التدخل في أي توسعات محتملة للولايات المتحدة. ومع نهاية القرن التاسع عشر، بدأت الولايات المتحدة تبرز كقوة عظمى، وتخلت عن “الانعزالية” التقليدية، وتبنت تفسيرات مختلفة لعقيدة مونرو. في عام 1904، تحدث الرئيس ثيودور روزفلت عن حق الولايات المتحدة في التدخل لمواجهة الدول الأوروبية الدائنة التي هددت بالتدخل العسكري لتحصيل ديونها من بلدان في أمريكا اللاتينية. وقال إن “الممارسات الخاطئة المتكررة قد تستوجب تدخل دولة متحضرة في النصف الغربي”، مضيفاً أن “التزام الولايات المتحدة بعقيدة مونرو قد يضطرها للقيام بدور الشرطة الدولية”. عُرف ذلك بـ “لازمة روزفيلت” وسياسة “العصا الغليظة”، والتي تعني امتلاك القوة العسكرية والاستعداد لاستخدامها لفرض الهيمنة الأمريكية. ويرى المؤرخون أن هذه “اللازمة” كانت امتداداً لعقيدة مونرو، واستخدمها روزفلت لتبرير التدخل العسكري الأمريكي في بلدان في أمريكا الوسطى والكاريبي. ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي، حاولت الولايات المتحدة صياغة سياساتها الخارجية المتعلقة بأمريكا اللاتينية بالتشاور مع دول المنطقة ومنظمة الدول الأمريكية. وسعى بعض الرؤساء الأمريكيين إلى اتباع تفسيرات أقل حدة لعقيدة مونرو، مثل الرئيس فرانكلين روزفلت الذي استبدل بدبلوماسية العصا الغليظة دبلوماسية حسن الجوار. ومع ذلك، استمرت الولايات المتحدة في استخدام عقيدة مونرو لتبرير تدخلها في شؤون جيرانها الجنوبيين. في عام 1962، استدعى الرئيس جون إف كينيدي عقيدة مونرو عندما فرض حصاراً بحرياً وجوياً على كوبا بعدما بدأ الاتحاد السوفيتي في إنشاء منصات لإطلاق الصواريخ هناك، في إشارة إلى استعداد الولايات المتحدة لاستخدام القوة العسكرية لتحييد ما اعتبرته تهديداً لأمنها القومي. وبعد أزمة استمرت 13 يوماً، جُنب العالم كارثة حرب نووية بعد عرض الزعيم السوفيتي نيكيتا خورتشوف إزالة الصواريخ من كوبا مقابل تعهد واشنطن بعدم غزو البلاد. ومع تأزم الموقف بين أوكرانيا وروسيا مؤخراً، تحدث مراقبون عن أزمة صواريخ كوبية جديدة، حيث تشابهت مخاوف الطرفين من اقتراب الآخر من محيط تأثيره. ومن ثم عقدت المقارنة بين موقف روسيا واعتبارها أن توسع حلف الناتو تهديد لأمنها القومي، وعقيدة مونرو الأمريكية التي بررت التدخل العسكري في دول مجاورة. في عام 1985، أعطى الرئيس رونالد ريغان تفسيره الخاص لعقيدة مونرو عندما أعلن الخطوط العريضة لسياسته الخارجية الرامية إلى مكافحة الشيوعية، والتي أُطلق عليها اسم “عقيدة ريغان”. وانطلاقاً من تلك العقيدة، دعمت واشنطن حركة “كونترا” للإطاحة بحكومة “ساندينيستا” الاشتراكية في نيكاراغوا، وقدمت معونات عسكرية للمجاهدين الأفغان لمساعدتهم على التخلص من الاحتلال السوفيتي. بعد انتهاء الحرب الباردة، قللت واشنطن من تدخلاتها العسكرية في أمريكا اللاتينية، ولكنها احتفظت بنفوذ كبير في النصف الغربي. في عام 2013، أعلن وزير الخارجية جون كيري “انتهاء حقبة عقيدة مونرو”، فيما اعتبر تحولاً كبيراً في السياسة الأمريكية. وسرعان ما عادت العقيدة إلى الواجهة مرة أخرى مع تغير الإدارة الأمريكية. ففي عام 2018، امتدح وزير الخارجية ريكس تيلرسون عقيدة مونرو، قائلاً إنها “ملائمة اليوم تماماً، مثلما كانت ملائمة يوم كتبت”، كما أعلن مستشار ترامب للأمن القومي، جون بولتون، أن العقيدة “على قيد الحياة وبخير”، في خطاب هدد فيه بالإطاحة بما وصفه بالديكتاتورية في كل من فنزويلا وكوبا. وبعد ذلك بعام، قال الرئيس ترامب إن “السياسة الرسمية لبلادنا منذ الرئيس مونرو تنص على رفضنا لتدخل الدول الأجنبية في هذا النصف من الكرة الأرضية”، فيما اعتبر تحذيراً لروسيا والصين من التدخل فيما تعتبره الولايات المتحدة فناءها الخلفي. كان هذا التاريخ الطويل من الاستناد إلى “عقيدة مونرو” في السياسة الأمريكية، هو ما طرح السيناتور بيرني ساندرز سؤالاً بشأنه في إطار نقاش حول الأزمة الأوكرانية، وتضمن مطالبته بتفادي “حرب تحمل في طياتها دماراً موسعاً” بكل الوسائل الممكنة. ورغم تأكيده على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو المسؤول الأول عن الأزمة، تساءل ساندرز: “هل يظن أحد أن الولايات المتحدة كانت ستلتزم الصمت إذا ما قامت دولة مثل المكسيك أو كوبا أو غيرهما من دول أمريكا الوسطى أو أمريكا اللاتينية بالدخول في تحالف عسكري مع خصم للولايات المتحدة؟”. جاء تحذير ساندرز منسجماً مع خطه السياسي منذ صعود نجمه في ثمانينيات القرن الماضي، كناشط سياسي بأفكار اشتراكية، عارض عدداً من سياسات واشنطن، كالحرب على العراق وحرب التحالف في اليمن بالإضافة إلى معارضته لعقيدة مونرو. كلمة ساندرز قوبلت بالرفض من قبل السيناتور ديك ديربين، الذي رأى أن تصرفات أمريكا في الماضي لا يجب أن تكون سبباً لترك بوتين يفعل ما يحلو له. أما ساندرز نفسه، فخرج بعد بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا ليدعو العالم إلى “الدفاع عن الديمقراطية”، ويصف العدوان بغير المقبول، ويقول إنه “يجب على دول العالم الرد بقوة”. لكن كلامه عن “عقيدة مونرو” استدعى كثيراً من المقارنات بين السياسة الأمريكية في التعامل مع محيطها الإقليمي، والسياسة الروسية في التعامل مع الملف ذاته.


















