كانت البداية بمقتل والد عبد الرحمن في غارة جوية إسرائيلية […]
كانت البداية بمقتل والد عبد الرحمن في غارة جوية إسرائيلية استهدفت منزلهم، وتقول والدته أسماء النشاش (29 عاماً) إنهم أخرجوه أشلاء. وفي 16 يوليو 2024، أصيب عبد الرحمن (11 عاماً) بجروح بالغة في غارة استهدفت مدرسة بمخيم النصيرات، ما استدعى بتر ساقه، لتبدأ حالته النفسية بالتدهور، إذ تقول أسماء إنه صار يشد شعره ويضرب نفسه، وبدا مكتئباً لعجزه عن اللعب مع أقرانه. وفي مايو 2025، بدا عبد الرحمن منطوياً وحذراً في أحد مستشفيات الأردن، حيث نُقل لتلقي العلاج، وقال: “سنعود إلى غزة، سنموت هناك”. عبد الرحمن هو واحد من آلاف الأطفال المصابين بصدمات نفسية ممن التقيت بهم على مدار أربعة عقود من تغطية النزاعات، وبعض الوجوه عالقة في ذاكرتي تعكس الرعب الذي يعيشه الأطفال في عصرنا. أتذكر الطفل أدوناي ميكائيل، ضحية غارة نابالم إثيوبية في إريتريا، وصرخاته التي دفعتني للفرار، والطفل في بلفاست الذي كان يسير خلف نعش والده، والفتاة التي بُترت يداها في سيراليون، والطفلة التي كانت تمسح دماء قتيل في سويتو، والصبي الرواندي الذي انهار باكياً عندما سُئل عن سبب تسميته بـ”القنبلة”. تشير الأرقام إلى أن نحو 520 مليون طفل عاشوا في مناطق نزاع عام 2024، وتصف البروفيسورة تيريزا بيتانكورت هذا الوضع بأنه “أكبر كارثة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية”، محذرة من أن الصدمة النفسية تؤثر على بنية دماغ الأطفال وتخلّف تبعات دائمة. وفي ظل هذه الأزمة، يبقى السؤال: ما الذي يمكن تقديمه لأطفال السودان وغزة وأوكرانيا وغيرهم؟ أُقر بوجود مصلحة شخصية، فقد عانيتُ من اضطراب ما بعد الصدمة، وأعرف أعراضه جيداً، ما جعلني شديد الفضول حيال رد فعل الأطفال بعد الصدمة. يؤكد مايكل بلويس أن معايشة الحرب يرتبط بارتفاع خطر الإصابة بمشكلات نفسية، محذراً من التعميم، فالعوامل المؤثرة تتنوع بين مدة التعرض للأحداث الصادمة، والإصابات الجسدية، وفقدان الأحبة، وتوافر الأمان والدعم النفسي. وفي عينة من أطفال البوسنة والهرسك، سُجلت مستويات مرتفعة من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة والحزن، وهناك احتمال لحدوث أضرار صحية طويلة الأمد. يطرح علم التخلق سؤالاً محورياً: هل يمكن لتجربة الصدمة لدى جيل ما أن تظهر لدى الأجيال اللاحقة؟ يعتبر علم التخلق مجالاً علمياً افتراضياً محل جدل، ويشير بلويس إلى وجود أدلة على انتقال الصدمة عبر الأجيال، لكن متين باش أوغلو يتعامل مع هذا الطرح بحذر. تساءلت عما إذا كان تاريخ عائلتي قد جعلني أكثر استعداداً للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة، فأجابني سايمون ويسيلي بأنه لا توجد طريقة لمعرفة ذلك، وأن الأثر الأكبر هو للخلفية التربوية التي ننشأ فيها. هناك إجماع على أن الصدمة أزمة عائلية بامتياز، فالأطفال في مناطق الحروب يواجهون فقدان مقدّمي الرعاية، وقد لا يتمتع مقدّم الرعاية نفسه بالقدرة الكاملة على حماية طفله. تشير أبحاث بلويس إلى أن الظروف العائلية عامل حاسم، وأن ظروف معيشة الطفل أكثر قدرة على التنبؤ بصحته النفسية. الطفل القادر على التكيف الصحي يتمتع ببيئة اجتماعية شديدة الحماية، وتعود جذور هذا المعنى في بريطانيا إلى تجربة الأطفال خلال “البلتز”. يشير إدغار جونز إلى أن شدة تفاعل الطفل مع القصف تتأثر برد فعل والديه تجاه الصدمة. ساعدني العلاج النفسي والدعم من العائلة والأصدقاء على التغلب على الصدمة، وشجعني المعالج على مواجهة الخوف. كان باش أوغلو رائداً في استخدام “العلاج السلوكي المرتكز على استعادة السيطرة”، وتقوم الفكرة على تشجيع الفرد على استعادة السيطرة على خوفه من تكرار الحدث الصادم. يشدد اختصاصيون نفسيون إسرائيليون على أهمية إعادة ترسيخ الشعور بالسيطرة والتحكم، لكن نجاح التدخل العلاجي يعتمد على توفير بيئة مستقرة. يقول بلويس إن الأطفال يحتاجون إلى أن يكون آباؤهم بخير، وأن يعيشوا في مكان آمن، وأن يتوافر لهم إمكان الوصول إلى التعليم، وأن يكون لديهم روتين يومي. تستحضر تلك الكلمات عن “المكان الآمن” في ذهني صديقتي بياتا أوموبييي مايريس، والفارق الذي أحدثه الاستقرار في حياتها بعد الإبادة الجماعية في رواندا. تقول بياتا إن أول ما ساعدها كان المنفى إلى فرنسا، والأمان، والهدوء، والعائلة الحاضنة، والأخصائي النفسي، والعودة إلى المدرسة. ورغم هدوئها الظاهر، ظلت بعض المخاوف تلاحقها، وتساءلت عما إذا كانت تبذل جهداً لحماية أطفالها من توارث صدمة الإبادة الجماعية، فقالت إن هناك أشياء يصعب روايتها للأطفال. وعلى الرغم من أنها تعيش حياة سعيدة، لا تزال بياتا تعاني القلق، وتتناول مضادات الاكتئاب، وأنا أيضاً أستخدم الأدوية، وأعد نفسي محظوظاً لأنني أملك إمكانية الوصول إلى الرعاية والعلاج. يرى خبراء أن بناء مجتمع آمن عامل حاسم، وأن الأطفال يحتاجون إلى الذهاب إلى المدرسة، وإلى فرص للعب معاً. يدرك علماء النفس العاملون في غزة هذه الاحتياجات جيداً، ويقول ديفيد موزاردو إن التعرّض للصدمة مستمر في غزة، وإن كل شيء مفقود، حتى فكرة المستقبل. من الممكن أن تتحول الهدنة الحالية في غزة إلى سلام دائم، لكنه غير مضمون على الإطلاق، والحروب في السودان وأوكرانيا وغيرها تمضي بلا توقف. إن قِدَم الصدمة من قِدَم الحروب نفسها، وغالباً ما يتساءل الساسة والصحفيون والخبراء: “ماذا سيحدث عندما يتوقف القتل؟”، لكن في مكان آخر، سيستمر القتل. تلك هي المأساة المتواصلة للأطفال العالقين في حروب لم يبدأوها، ولا يملكون أي سيطرة عليها، ومع كل ما راكمته البشرية من معرفة حول علاج الصدمة، إلا أنه لا تزال نائية عن معالجة سببها الجذري — الحرب نفسها.


















