كرة القدم: ما الذي يكمن وراء هذا الشغف الجامح والتوتر […]
كرة القدم: ما الذي يكمن وراء هذا الشغف الجامح والتوتر المتصاعد والأدرينالين المتدفق؟ سؤال يطرحه محمد همدر من بي بي سي عربي – بيروت. فالمباريات الرياضية غالباً ما تكون مصحوبة بتوتر وقلق، لا يقتصران على اللاعبين، بل يمتدان إلى الجمهور. لكن كرة القدم، الرياضة الأكثر شعبية في العالم، تعتبر مؤثرة بشكل خاص على الصحة العقلية والقلب والحالة النفسية، وفقاً لدراسات عديدة. حوادث الشغب، واقتحام الملاعب، والوفيات القلبية، والعنف، والمبالغة في التعبير عن الغضب، كلها مظاهر ترتبط بكرة القدم أكثر من غيرها. فالمشجع المتفاني قد يختبر تسارعاً في نبضات القلب، وتعرقاً في اليدين، وعصبية مفرطة خلال اللحظات الحاسمة. هذه الردود ناتجة عن تفاعل معقد بين القلب والدماغ وضغط الدم، مما يؤدي إلى تغيرات في السلوك والمزاج، وقد يشكل خطراً على صحة القلب. أسباب هذا التأثير متعددة، أبرزها شعبية اللعبة، فكلما ازداد الشغف والتعلق بفريق، تصاعد القلق والتوتر. كما يرتبط الأمر بأسلوب اللعب التنافسي، والتركيز العالي، والمفاجآت المتكررة، والأهداف في الدقائق الأخيرة. يضاف إلى ذلك ارتباط الرياضة بالانتماء إلى جماعة أو هوية، كتشجيع فريق الحي، وما يرافقه من فخر. وتتداخل في كرة القدم السياسة والدين والقومية، وهي رياضة ذات جذور تاريخية عميقة، مرتبطة بتقاليد وعادات وطقوس متجذرة، مثل التجمع لمشاهدة المباريات. تحولت كرة القدم إلى ثقافة ولغة عالمية، ينتشر مشجعو الأندية الكبرى في أنحاء العالم، ويتشاركون رموزاً وخطاباً مشتركين. وإلى جانب عالم الاحتراف، يوجد عالم واسع لممارسة اللعبة منذ الطفولة. يعتبر الاستفزاز جزءاً أساسياً من ثقافة كرة القدم، وقد يصل الإعجاب بالنجوم إلى درجة التقديس. يصف محمود درويش هذا الشغف في قصيدته عن مارادونا، قائلاً: “ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله؟”. مشاهد مألوفة في جنون كرة القدم تشمل الصراخ، والبكاء، وتحطيم الأشياء، وتوجيه اللاعبين، والتركيز الشديد، والغضب عند المقاطعة، وعدم القدرة على الجلوس، والقفز، والضرب باليدين على الرأس. وفي المقابل، قد يندفع اللاعبون في مشادات واشتباكات، مما يغذي ردود فعل غاضبة. لنتذكر نهائي كأس العالم 2022، وما شهده من تقلبات دراماتيكية. دراسات تشير إلى نشاط دماغي مكثف عند مشاهدة مباراة كرة قدم، حيث يفرز الدماغ هرمونات مختلفة تبعاً للمشاعر، كالدوبامين عند الفوز، والأدرينالين والكورتيزول عند التوتر. دراسة لجامعة أوكسفورد كشفت أن المشجعين المرتبطين بشدة بفرقهم يمتلكون “سمات نفسية ـ فسيولوجية فريدة”. ارتفاع الكورتيزول لفترات طويلة قد يؤدي إلى ضعف المناعة، وزيادة الوزن، وارتفاع ضغط الدم، وزيادة خطر الإصابة بأمراض القلب. دراسات أظهرت ارتفاعاً في معدلات النوبات القلبية بين المشجعين خلال المباريات الكبرى. وفاة شاب عراقي بعد خسارة فريقه في مباراة، تذكر بحالات مشابهة. دراسة نشرت على موقع NIH أفادت بارتفاع نسبته 15 في المئة في مراجعات أقسام أمراض القلب خلال فترة كأس العالم 2022. دراسة أكاديمية هيوستن ميثوديست أكدت أن مشاهدة المباريات الرياضية التنافسية تؤثر في القلب. جامعة هارفارد أكدت أن متابعة المباريات الحماسية بتوتر قد تضر بالصحة. مواقع طبية تنشر إرشادات للتخفيف من التوتر، مثل الحفاظ على ترطيب الجسم، والحد من استهلاك الكحول، وأخذ فترات استراحة. غير أن هذه النصيحة الأخيرة نادراً ما تجد صدى، حيث يشيع شعار “أكثر من مجرد لعبة”. قال بيل شانكلي إن كرة القدم “أهم بكثير من مسألة حياة أو موت”، وقال يوهان كرويف إنها “أسلوب حياة”.














