في خضمّ الحياة العصرية المتسارعة والاتصال الرقمي الدائم، يجد الإنسان نفسه غارقًا في التفكير والقلق المستمر، حيث يمضي معظم وقته في دوامة من الأفكار المتلاحقة التي يصعب إيقافها أو حتى ملاحظتها. وتوضح الباحثة ماريانا بوغوسيان أن التأمل يكشف مدى تغلغل الأفكار في وعينا، وهو ما يُعرف بـ”عقل القرد” في الفلسفة البوذية. وتشير الدراسات إلى أن الإنسان قد يمرّ بأكثر من ستة آلاف فكرة يوميًا، ما يفسر حالة التوتر الذهني المزمنة. وفي مواجهة هذا الصخب الداخلي، يبرز التأمل كممارسة علمية مؤثرة في الصحة النفسية والجسدية، حيث يهدف إلى تدريب الانتباه وتعزيز الوعي، والحد من ردود الفعل الاندفاعية تجاه الأفكار السلبية، وذلك عبر التخفيف من إيقاع الحياة السريع والجلوس مع الذات ومراقبتها دون سعي إلى إنجاز. ومع الاستمرار في الممارسة، يهدأ العقل وتتباطأ المشاعر وتستقر، ما يؤدي إلى الإحساس بالسكينة والهدوء الداخلي والخارجي. ويحتفي العالم باليوم العالمي للتأمل للتذكير بأهمية الصحة البدنية والعقلية، وتصف منظمة الصحة العالمية التأمل بأنه أداة فعّالة للعناية الذاتية، تعزز الصحة العامة وتساعد على إدارة القلق. وتعود جذور التأمل إلى آلاف السنين، وقد ارتبط بحضارات وديانات متعددة، ويُقدّر عدد المداومين عليه بالملايين. وتتنوع أشكال التأمل، لكن تأمل اليقظة الذهنية هو الأكثر حضورًا في الأبحاث العلمية، حيث يعزز وعي الفرد باللحظة الراهنة وملاحظة الأفكار والمشاعر دون إصدار أحكام. وتشير الدراسات إلى أن التأمل يساعد في خفض ضغط الدم ونبض القلب ومستويات هرمون الكورتيزول، ويقلل التوتر والقلق والاكتئاب، ويساهم في علاج مشكلات صحية وسلوكية. وعلى الصعيد البيولوجي، يزيد التأمل من سُمك القشرة الجبهية ويقلل من نشاط اللوزة الدماغية، ما يعزز المرونة العصبية ويهدئ استجابات الجسم للتوتر. ورغم الاعتقاد الخاطئ بأن التأمل يمحو الأفكار السلبية تمامًا، إلا أنه يساعد على إعادة الانتباه إلى اللحظة الحالية ورؤية الصورة الأوسع. كما أنه ليس حكرًا على ديانة معينة، بل هو أداة للهدوء والتقرب إلى الله، وهدفه ليس إيقاف الأفكار، بل عدم الانجراف خلفها. ورغم أن التأمل قد لا يناسب الجميع، إلا أن المواظبة عليه لخمس دقائق يوميًا تقلل من قابلية التعرض للتوتر وتخلق مساحة آمنة لاستيعاب الضغوط، وذلك عبر الجلوس في مكان هادئ وملاحظة التنفس، والعودة إليه بلطف في كل مرة يسرح فيها العقل.