خلال مسيرتي المهنية التي بدأت في ستينيات القرن الماضي، غطيت […]
خلال مسيرتي المهنية التي بدأت في ستينيات القرن الماضي، غطيت أكثر من 40 حرباً حول العالم، وشهدت الحرب الباردة تبلغ ذروتها ثم تتبخر فجأة، لكن عام 2025 كان الأكثر إثارة للقلق، ليس فقط بسبب احتدام الصراعات الكبرى، بل لأن أحدها يحمل تداعيات جيوسياسية غير مسبوقة، حيث حذر الرئيس الأوكراني زيلينسكي من تصاعد الصراع إلى حرب عالمية، وبعد ستين عاماً من مراقبة الصراعات، لدي شعور سيئ بأنه على حق. حكومات الناتو في حالة تأهب قصوى تحسباً لقيام روسيا بقطع الكابلات البحرية، وتتهم طائراتها المسيّرة باختبار دفاعات الناتو، بينما يطوّر قراصنة الإنترنت التابعون لها أساليب لتعطيل الوزارات والخدمات والشركات الكبرى، وتؤكد السلطات الغربية تورط الاستخبارات الروسية في قتل معارضين لجأوا إلى الغرب، وقد خلص تحقيق في محاولة اغتيال سكريبال إلى أن القرار اتخذ على أعلى المستويات في روسيا. عام 2025 شهد ثلاث حروب شديدة التباين: أوكرانيا، غزة، والسودان، حيث أفادت الأمم المتحدة بمقتل 14 ألف مدني في أوكرانيا، وتوعد نتنياهو بـ”انتقام عظيم” في غزة بعد هجوم حماس، بينما تشهد السودان حرباً أهلية ضارية. الرئيس ترامب قال: “أنا بارع في حلّ الحروب”، لكن حرب غزة لا تبدو وكأنها حُلّت، وبالنظر إلى المعاناة في الشرق الأوسط، فإن الحرب في أوكرانيا على مستوى مختلف تماماً، فمعظم الصراعات التي غطيتها كانت محدودة النطاق، لكنها لم تكن خطيرة بما يكفي لتهديد سلام العالم بأسره، والقوى العظمى كانت متخوفة من تحول حرب تقليدية إلى حرب نووية. لكن في عام 2026، يبدو أن روسيا مستعدة للسعي إلى تحقيق هيمنة أكبر، وقد قال بوتين إن روسيا لا تخطط لخوض حرب مع أوروبا، لكنها مستعدة “الآن” إذا أراد الأوروبيون ذلك، في حين غزت روسيا بالفعل دولة أوروبية مستقلة، وتتهمها أوكرانيا باختطاف أطفال، وتنفي روسيا ذلك، وتقول إنها غزت أوكرانيا لحماية نفسها من توسع الناتو، غير أنّ بوتين لمح إلى دافع آخر يتمثل في السعي إلى استعادة مجال النفوذ الإقليمي لروسيا، وهو يدرك أنّ عام 2025 شهد ما اعتبرته معظم الدول الغربية أمراً لا يمكن تصوّره: احتمال أن يدير رئيس أمريكي ظهره للنظام الاستراتيجي. واشنطن لم تعد متأكدة من رغبتها في حماية أوروبا فحسب، بل باتت تستنكر أيضاً المسار الذي تمضي فيه أوروبا، ورحب الكرملين بتقرير استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب، معتبراً أنه يتماشى مع رؤية روسيا. بوتين نجح في إسكات المعارضة له وللحرب على أوكرانيا، لكنه يواجه تبعات سياساته. اقتصادات الاتحاد الأوروبي أكبر بعشر مرات من اقتصاد روسيا، ومع ذلك، بدت أوروبا الغربية متخوفة من فقدان امتيازاتها، وأمريكا اليوم مختلفة أيضاً: أقل نفوذاً، وأكثر انغلاقاً على نفسها، وتسعى إلى التركيز على مصالحها الوطنية. وحتى لو خسر ترامب جزءاً كبيراً من قوته السياسية، فقد يكون قد دفع بالبلاد إلى مسار انعزالي. عام 2026 سيكون عاماً حاسماً، وقد يشعر زيلينسكي بأنه ملزم بالموافقة على اتفاق سلام يقتطع جزءاً من الأراضي الأوكرانية، وسيتعين على أوروبا تحمّل عبء أكبر بكثير في دعم أوكرانيا، لكن هل يمكن أن تتحول الحرب إلى مواجهة نووية؟ بوتين مقامر، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة ما زالت عضواً فاعلاً في حلف الناتو، فإن خطر الرد بهجوم نووي مدمر يظل قائماً. أما الصين، فقد وجه شي جينبينغ تهديدات صريحة ضد تايوان، وإذا لم تتخذ الصين خطوة حاسمة للمطالبة بتايوان، فقد يرى شي جينبينغ في ذلك مظهراً من مظاهر الضعف، وهو أمر لا يرغب به. القيادة السياسية الصينية عاجزة عن محو ذكريات ما جرى في ميدان تيانانمن، وتترقب باستمرار أي بوادر معارضة، وتقمع جميع هذه التحركات بقوة شديدة. ذات مرة قال لي بو شيلاي: “لن تفهم أبداً مدى شعور الحكومة بعدم الأمان عندما تدرك أنها غير منتخبة”. إذن، يبدو أنّ عام 2026 سيكون عاماً مفصلياً، وستتعزز قوة الصين، وستتضح معالم استراتيجيتها للسيطرة على تايوان، وقد تُحسم الحرب في أوكرانيا، لكن بشروط تصب في مصلحة بوتين، وقد يجد نفسه حراً في العودة للمطالبة بالمزيد من الأراضي الأوكرانية عندما يرى الوقت مناسباً، أما ترامب، فسيواصل دفع الولايات المتحدة بعيداً عن أوروبا، ومن المنظور الأوروبي، لا يمكن أن تبدو الآفاق أكثر قتامة مما هي عليه الآن. وإذا كان الاعتقاد أنّ الحرب العالمية الثالثة ستكون مواجهة نووية مباشرة، فذلك غير مرجّح، الأرجح أن تأخذ شكل سلسلة من المناورات الدبلوماسية والعسكرية، بما يعزز ازدهار الحكم الاستبدادي، وقد يهدد بتفكيك التحالف الغربي نفسه، وهذه العملية بدأت بالفعل.
















