“منذ أسبوع وأنا أسير يومياً في هذه الأوحال، أنتظر تحت […]
“منذ أسبوع وأنا أسير يومياً في هذه الأوحال، أنتظر تحت المطر عودة ابني”، بهذه الكلمات المفعمة بالحسرة تصف فاطمة الراوي حالها، بينما تسير مع مجموعة من الشبان في شارع موحل يؤدي إلى محكمة الرقة، بحثاً عن اسم ابنها موفق النهار، المعتقل في سجن الأقطان شمالي الرقة، بعد إعلان جهات قضائية تابعة للحكومة الانتقالية السورية فتح باب الزيارات عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية. فاطمة الأمية، ينبهها شاب إلى وجود اسم ابنها في قوائم الزيارات، وأن الزيارة متاحة هذا الأسبوع، قادمة من بلدة في ضواحي الرقة، تخبرنا أن ابنها لم يتجاوز العشرين، اعتقلته “قسد” وحكمت عليه بالسجن ستة أشهر لوجود صور وشعارات للنظام السوري في هاتفه، مؤكدة أنه أنهى محكوميته. “كان عتّالا في دمشق، لكنهم اعتقلوه بتهمة الإرهاب.. ننتظر في الشوارع، نحرق الإطارات لمقاومة البرد، وننتظر رحمة الله”. وإلى جانب فاطمة، يقف إبراهيم عبد الله الخليل، القلق بادياً على وجهه، لعجزه عن إيجاد اسم أخيه عبد الستار في القوائم، الذي اختفى منذ يوليو 2017 خلال عمليات “قسد” ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، حيث خرج لشراء الخبز من حي الفردوس ولم يعد، وبحثوا عنه في سجون القامشلي والحسكة ومستشفيات الرقة والمقابر الجماعية دون جدوى، مطالباً بمعرفة مصيره، سواء كان حياً أو ميتاً. مأساة إبراهيم لا تتوقف هنا، فابن أخيه عبد الله اعتُقل أيضاً أثناء توجهه إلى عمله حارساً مدنياً للسوق الشرقي، وحُرم من حضور جنازة والده، ورغم مساعي إبراهيم للإفراج عنه، مؤكداً أنه شاب لم يرتكب أي جناية، إلا أن طلبه قوبل بالرفض. وفي زاوية أخرى، تأخذنا هالة خليل محمد، الستينية، إلى غرفة ابنها الوحيد مهند، الذي خطفه مسلحو تنظيم الدولة بعد شهر من زواجه عام 2014، وكان ناشطاً في الثورة السورية ويمتلك مقهى للإنترنت، وقد خاضت هالة رحلة بحث مضنية عنه، بدأت من سجون التنظيم في الرقة إلى آخر معاقله في الباغوز عام 2019، ثم إلى سجون “قسد”، مؤكدة أنه اعتُقل عن طريق الخطأ، وبحثت عنه في 27 سجناً، ولا تزال تأمل في العثور عليه. وبعد سيطرة قوات الحكومة الانتقالية السورية على مناطق شمال شرقي سوريا، وفتح السجون، تمكنت مئات العائلات من معرفة مصير أبنائها، بينما أصيبت أخرى بخيبة أمل، وتؤكد الهيئة الوطنية للمفقودين أن مصير الآلاف من المغيبين قسراً في الرقة معقد جداً، نظراً لتعاقب أطراف النزاع على المدينة، مشيرة إلى أن فتح السجون كان صدمة مدوية، حيث لم يتم العثور إلا على ثلاثين ألف معتقل فقط، وتجهز الهيئة مراكز لاستقبال بلاغات الأهالي، وتؤكد أن أولوياتها هي حماية المقابر الجماعية والبحث عن مقابر جديدة، وتوفير أجهزة تحليل الحمض النووي للتعرف على الجثث. وتشير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى وجود نحو 8000 مفقود في شمال شرقي البلاد خلال فترة سيطرة تنظيم الدولة، وأن أغلب الجثث المنتشلة من المقابر الجماعية تبقى مجهولة الهوية، فيما انتشل فريق شؤون المفقودين والطب الشرعي قرابة 6000 جثة من 27 مقبرة جماعية في محافظة الرقة، وتمكنت مئات العائلات من التعرف على أبنائها. ومع الغموض الذي يكتنف مصير آلاف المفقودين، تزداد المخاوف بين الأهالي من أن التنظيم ربما قتل جميع المحتجزين لديه، ويشير عبد القادر حاج عبد الله، من مؤسسي رابطة ذوي المفقودين، إلى أن معظم العائلات فقدت الأمل في العثور على أبنائها أحياء، وأن الشك لا يزال يراود قسماً من العائلات بأن أحبابهم يقبعون في سجون “قسد” في الحسكة والقامشلي، ويأمل في التحقيق مع محتجزي التنظيم لمعرفة مصير المفقودين، ومع بدء نقل محتجزي “تنظيم الدولة” إلى العراق، يردد: من حقنا أن نسأل أين أبناؤنا سواء كانوا أحياءً أو أمواتاً.
















