هوسٌ طاغٍ ومُقلق يستحوذ على التفكير، هذا ما يمكن أن […]
هوسٌ طاغٍ ومُقلق يستحوذ على التفكير، هذا ما يمكن أن يفعله الولع العاطفي، وهو شكلٌ غير مألوف من الشوق الرومانسي ذو تأثير مُدمّر. يروي عالم الأعصاب توم بيلامي، الذي كان يعيش حياة زوجية سعيدة، كيف انتابته مشاعر قوية تجاه زميلته في العمل، فرغم حبه لزوجته وعدم رغبته في علاقة أخرى، لم يستطع التوقف عن التفكير بزميلته. يصف بيلامي هذه الحالة بالهيام/الولع، وهو مصطلح نفسي صِيغ في السبعينيات، ويعني تعلقاً شديداً يستحوذ على الشخص ويجعله مهووساً بآخر، وهو يختلف عن المشاعر الرومانسية الأخرى. يرى بيلامي أن الهيام حالة ذهنية متغيرة تمنح شعوراً رائعاً في البداية، أشبه بنشوة طبيعية تزيد الطاقة والتفاؤل، مما يجعله إدماناً. تشير بيانات جوجل ترند إلى ارتفاع الاهتمام العالمي بالهوس العاطفي منذ عام 2020، مع زيادة المواد المنشورة حوله، والتي تتناول متى ولماذا يتحول الحب إلى هوس، وكيف يمكن للمتأثرين التعامل معه. قد تحدث نوبة الهيام مرة واحدة أو عدة مرات في حياة الشخص. وتؤكد دوروثي تينوف، عالمة النفس التي صاغت مصطلح “الولع”، أنه شيء يحدث لنا خارجاً عن إرادتنا. بعد إجراء مقابلات عديدة حول الحب الرومانسي، لاحظت تينوف هذا الشوق اللا إرادي والعنيف الذي يتسلل إلى التفكير ويهيمن عليه تجاه شخص آخر، والذي يُعرف في الأبحاث النفسية باسم “موضوع الولع”. لا يعني الولع بالضرورة مطاردة الشخص الآخر، لكنه قد يتطور في بعض الحالات إلى سلوك ضار كالمطاردة. قد تستمر نوبة الهيام من 18 شهراً إلى ثلاث سنوات، وقد تطول، وإذا تُرك دون علاج، فقد يكون له أثر مدمر. يصف بيلامي تجربته بأنها مؤلمة، حيث كان يدرك عقلياً أن لا نهاية سعيدة لهذا الأمر، لكنه لم يستطع السيطرة على مشاعره، مما جعله يشعر بالعجز والخوف. يتميز الولع بأنه يتغذى على عدم اليقين، فبينما يتجاوز الشخص المُغرم مرحلة عدم اليقين الأولية ويشعر بالراحة والسعادة عندما يكتشف أن مشاعره متبادلة، يظل الشخص المولع عالقاً في مرحلة عدم اليقين والشوق والأمل. يرى بيلامي أن عدم اليقين هو القوة الدافعة الرئيسية لتطور هذا الشعور إلى إدمان، حيث يكون الشخص في حالة من الرغبة المستمرة، ويصف هذا الإحساس بـ “الوميض” – أي لمحة من الأمل في تبادل المشاعر. يقول إيان تيندال، عالم النفس السلوكي المعرفي، إن بعض الأشخاص لا يرغبون بالضرورة في علاقة جنسية أو عاطفية، بل يريدون فقط أن يبادلهم الطرف الآخر مشاعرهم. يزيد الهيام من الضيق النفسي ويعطل إنتاجية المصابين به، مما قد يؤدي إلى إهمالهم لأنفسهم وعلاقاتهم الأخرى. يميلون إلى الانغماس في الماضي والتفكير في تفاعلاتهم السابقة مع الشخص الآخر، مما يسيطر على حياتهم. هذا ما يميز الهيام عن الإعجاب، الذي يتسم بطبيعته الجارفة في المراحل الأولى من العلاقة، لكنه عادة لا تكون له عواقب سلبية على الصحة الجسدية والنفسية. يختلف الهيام عن الشغف الرومانسي، الذي ينطوي على شوق إلى الحميمية والتقارب مع شخص آخر، ليس فقط الجسدية، بل أيضاً العاطفية، بينما يصبح الشخص المولع مستغرقاً في التفكير فيه بشكل قهري. ومع ذلك، قد يتضمن الشغف الرومانسي أيضاً جانباً قهرياً وتأملياً، ويشبه الإدمان، حيث يؤثر على نظام الدوبامين في الدماغ. يرى باحثان أن الهيام لا يمكن استبداله بالحب على الإطلاق، بل هو سلبي وإشكالي ومعيق. لا يزال هناك الكثير مما نجهله عن الولع العاطفي، ولا نستطيع الجزم بعدد الأشخاص الذين يعانون منه، وهو ليس حالة نفسية معترف بها رسمياً. يفترض بعض الباحثين أنه قد يكون مرتبطاً باضطرابات التعلق أو حالات صحية نفسية أخرى، ولكن الأبحاث حول هذه الروابط قليلة. يعمل تيندال وزملاؤه على تطوير استبيان حول الهيام العاطفي، وأشارت الإجابات إلى أنه على الرغم من ارتباطه بنمط التعلق القلق، إلا أن هذا الارتباط لم يكن قوياً. يؤكد تيندال أن الهيام العاطفي “حالة مُنهكة للغاية” من التعلق القلق، وأن بعض المشاركين وجدوا أنه “ظهر فجأة ودون سابق إنذار”. تشير نتائج الدراسة إلى أن الأشخاص الذين يعانون من الولع لا يعانون عموماً من القلق الاجتماعي، لكنهم يشعرون بقلق شديد تجاه الشخص الذي يُفتنون به. قد يدفع الولع الأفراد إلى الانخراط في سلوكيات قهرية ومعادية للمجتمع، كالمطاردة، لكنه ليس مرضاً بحد ذاته، ولا يرتبط باضطراب في الشخصية، كما تقول إيما شورت. يبدو أن الولع العاطفي ارتباط استثنائي، ويتعلق بشخص واحد وما يمثله عاطفياً، ويبدو أنه مرتبط بحالة هذا الشخص الذي أشعل هذا الشعور بداخلك بطريقة ما. المطاردة تختلف، إذ يبدأ الشخص بإسقاط مشاعره على الشخص الآخر، ويتخيل أنه يستحقها، أو أنه يشعر بنفس مشاعره، ويعاني غالبية المطارِدين من نوع من أنواع الاضطرابات النفسية. خلصت شورت وزملاؤها إلى أنه بالرغم بأن من لديهم ولع قد يشتركون في سمات مع المطاردين، إلا أن الأفراد المولعين لم يصلوا بعد وربما لن يصلوا أبداً إلى مرحلة الانخراط في سلوكيات ضارة بشخص آخر. في حالة بيلامي، أدى الولع إلى علاقة مع زوجته، التي كانت تعاني من الهيام العاطفي أيضاً. يقول بيلامي: “نجحت تلك العلاقة. وقعنا في حب حقيقي، حب كلاسيكي، قائم على الاحترام المتبادل والمودة والرعاية والرغبة المتبادلة”. لم يُفصح بيلامي لزميلته عن مشاعره تجاهها، لكنه باح لزوجته بذلك، وهو ما يعتبره نقطة تحول. تخلص بيلامي من الولع العاطفي تجاه زميلته بتجويعه من الأساس، حيث ساعد تجنب التواصل مع الشخص المعني على التخفيف تدريجياً من حدة هذه الحالة الإدمانية. تقول تينوف أيضاً إنّ الولع قد يتلاشى إذا انقطعت جميع أشكال التواصل، أو إذا قوبل بالرفض التام، فبدون بصيص أمل، لا يبقى للولع ما يتمسك به.














