“ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من […]
“ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله” (مت 4:4)، كلمات المسيح بعد صيامه أربعين يوماً في البرية، تسلط الضوء على الارتقاء الروحي وتأسيس الحياة الدينية المسيحية، وعلى رأسها الصوم الكبير. هذا الصوم “المقدس” هو الأهم والأطول في حياة المسيحيين، رحلة روحية تبدأ بـ “الصوم الأربعيني” تذكاراً لصوم المسيح، ثم “أسبوع الآلام”، وصولاً إلى “عيد القيامة المجيد”. خلال الصوم، تزداد الصلوات والقداسات، وتُقرأ نصوص الكتاب المقدس للتوبة والرجوع إلى الله. الصوم الكبير “وسيلة تغيير وتجديد داخلي”، لا يقتصر على الامتناع عن الطعام، بل يشمل الحواس والفكر والقلب، وأعمال الرحمة والمحبة، استعداداً لـ “أسبوع الآلام” و”فرح القيامة”. القمص بيشوي وديع يصفه بأنه “حياة روحية بالدرجة الأولى، يتجمّل فيها الصائم بفضائل وجهادات روحية عميقة”، و”موسم الخزين الروحي للعابدين”. المؤمن “يتجرد بالصوم من الحياة حسب الجسد ليحيا حسب الروح”، عملاً بقول القديس بولس “إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون” (رو 13:8)، فتصبح “الحياة مع الله هي الغذاء والشبع الحقيقيين”. نستعرض هنا السمات المشتركة والمميزة للصوم الكبير في الكنائس التقليدية، الشرقية والغربية، مع إبراز الفروق بين الطوائف المسيحية المختلفة، والهدف من الصوم عموماً، وطقوس وروحانية الصوم الكبير في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. يختلف الصوم الكبير بين الكنائس الشرقية والغربية في البداية والمدة، مع الاتفاق على الهدف الأساسي: التوبة والاستعداد للقيامة. تبدأ الكنائس الغربية صومها بـ “أربعاء الرماد”، بينما تبدأ الكنائس الشرقية يوم الإثنين، ويعود الاختلاف إلى طريقة حساب المدة. الكنيسة الغربية تركز على 40 يوماً فعلياً قبل “أسبوع الآلام”، بينما الشرقية تقسم الفترة إلى أسابيع متكاملة، وتضيف الكنيسة القبطية “أسبوع الاستعداد”، لتصل المدة إلى 55 يوماً. الكنيسة الكاثوليكية لا تحتسب أيام الآحاد ضمن الصوم، وتلزم المؤمنين بعدم تناول اللحوم في الأربعاء والجمعة، مع التركيز على البعد الداخلي والروحي وأعمال الرحمة. الصوم الكبير في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية هو الأطول والأشد صرامةً، صوم “سيدي” لأن المسيح صامه، ومسيرة روحية متكاملة تُعاش أسبوعياً. يلتزم الأقباط بالانقطاع اليومي عن الطعام والشراب حتى الظهر أو بعده، ويكون الطعام نباتياً بالكامل. يتميّز الصوم في الطقس القبطي بروح نسكية ترتبط بتكثيف الصلوات والقداسات، والهدف هو تدريب النفس على التحكم في إرادتها وضبط الحواس. الروم الأرثوذكس يبدأون الصوم يوم “الإثنين النظيف”، ويمتد أربعين يوماً، ثم “أسبوع الآلام”، كرحلة توبة جماعية. يمارسون انقطاعاً يومياً حتى منتصف النهار، ويمتنعون عن اللحوم ومنتجات الألبان، مع استثناءات في عيد البشارة وأحد الشعانين. الكنائس البروتستانتية لا تفرض طقوساً واجبة للصوم، بل تركز على “الصوم التطوعي” كتعبير إيماني شخصي. تعود الجذور التاريخية للصوم الكبير إلى العصر الرسولي، وارتباطه بصوم المسيح والاستعداد للقيامة، وتطوّر عبر قرون عديدة داخل الكنائس. القمص تادرس يعقوب ملطي يقول إن الصوم الأربعيني يمتد إلى العصر الرسولي، مستشهداً بكتابات القديس إيريناؤس، وفي سنة 325 ميلادياً، “جاء الحديث عن الصوم الأربعيني في مجمع نيقية كأمر مستقر في الكنيسة الجامعة”. الهدف من الصوم الكبير هو “رحلة توبة وتجديد عهد المؤمن مع الله”، وزمن تنقية القلب وضبط الحواس، كي يستعيد الإنسان “صورته الأولى في المسيح”، مقترناً بالصلاة وقراءة الكتاب المقدس. القمص تادرس يعقوب ملطي يقول إن الصوم “يلزم أن تكون غايته الشهادة للسيد المسيح والصلاة الدائمة لأجل تقديس البشرية”. الأنبا غريغوريوس يقول: “الصوم ليس هو عن الخبز والماء، بل الصوم المقبول أمام الرب هو القلب الطاهر”. الصوم الكبير هو انقطاع عن كل “التطلعات الشهوانية ومسرات الجسد وملاهي الدنيا”، و”له وجهان أحدهما سلبي والآخر إيجابي”، بحسب القمص بيشوي وديع. سلبياً ننقطع عن اللحم والشحم، وإيجابياً نتفرغ للعبادة والشبع بالسماويات. القس شنودة حنا يقول إن الصوم هو “الانقطاع عن الطعام لفترة من الزمن يأكل بعدها الصائم طعاماً خالياً من الدسم الحيواني”. البابا شنودة الثالث يقول: “لابد من فترة انقطاع، لأننا لو أكلنا من بدء اليوم دون انقطاع، لصرنا نباتيين وليس صائمين”. حنا يضيف أن الصوم “ليس مجرد حرمان من أطعمة معينة وإنما فيه عنصر الجوع”. الكنيسة القبطية تصرّح بعدم الانقطاع “للعجائز والمرضعات والحوامل والمرأة النافس والمرضى والضعفاء والصغار، والذين لهم حالة خاصة تمنعهم فيأكلون لا ترفهاً، ولكن عن ضرورة”. تُحدد فترة الانقطاع بحسب إرشاد أب الاعتراف، وحتى لا يبالغ فيها البعض فتتعبهم جسدياً وروحياً. تُستثنى أيام السبت والأحد لجميع المؤمنين من الانقطاع، فالأحد هو يوم فرح نحتفل فيه بقيامة السيد المسيح. الكنيسة القبطية لم تحدد فترة انقطاع موحّدة، لأن الناس ليسوا متساوين في حالتهم. البابا شنودة الثالث يقول إن “لاهتمام الكنيسة بالصوم الكبير جعلت له طقساً خاصاً. فله ألحان خاصة، وفترة انقطاع أكبر. وله قراءات خاصة، وطقس خاص في رفع بخور باكر، ومطانيات خاصة في القداس”. كما جعلت الكنيسة أسبوعاً تمهيدياً يسبقه، ومهَّدت له أيضاً بصوم يونان قبله بأسبوعين. البابا شنودة الثالث يشير إلى أن الطعام النباتي في الصوم “نظام إلهي، وأنه الأصل في الطبيعة، إذ أن أبانا آدم كان نباتياً”. قسمت الكنيسة القبطية الصوم الكبير إلى سبعة أسابيع، وجعلت القراءة تدور حول موضوع “الجهاد الروحي”. الأنبا متاؤس يقول إن الكنيسة “قسمت كل أسبوع إلى قسمين أولهما الأيام الخمسة التي تصام انقطاعياً، وثانيهما يومي السبت والأحد اللذان لا يصامان انقطاعياً لأنهما عيدان للرب”. آحاد الصوم تتميّز بروحانية عميقة، وتقود المؤمن في رحلة توبة وتجديد داخلي، فكل أحد يحمل اسماً خاصاً ورسالة خاصة. أحد الكنوز يؤكد على أهمية العطاء وعمل الرحمة، وأحد التجربة يركز على أن النصرة ليست بالقوة البشرية، بل بالتمسك بكلمة الله، وأحد الابن الضال يسلط الضوء على التوبة، وأحد السامرية على أن الخلاص متاح لجميع الناس، وأحد المخلّع على قوة كلمة المسيح القادرة على إقامة الإنسان من ضعفه، وأحد التناصير أو الاستنارة يرمز إلى “الاستنارة الروحية” و”نور الإيمان”، وأحد الشعانين يتميز بفرح خاص، وأحد القيامة يعلن “فرح القيامة” و”الحياة الجديدة”. الصوم الكبير هو زمن مقدس تميزه روح التوبة الجماعية، الكل يسير على خطى صوم المسيح 40 يوماً في البريّة، بجذور تمتد إلى القرون الأولى، وهو ما دفع إلى حرص الكنائس، غرباً وشرقاً، إلى وضع طقوس وقراءات تقود المؤمنين في رحلة جهاد روحي بغية مراجعة القلب قبل الجسد، ومصالحة النفس وإعلان توبتها مع الله في صخب هذه الحياة.












