تعتبر جزر تشاغوس، تلك البقعة الاستوائية النائية والممنوعة على السياح، […]
تعتبر جزر تشاغوس، تلك البقعة الاستوائية النائية والممنوعة على السياح، بمثابة جنة تحتضن واحداً من أنقى أنظمة الشعاب المرجانية في العالم، لكنها في الوقت ذاته تثير جدلاً واسعاً. فبعد ثلاثة أيام من الإبحار جنوباً من جزر المالديف، أحاطت بنا غيوم رعدية كثيفة حجبت الرؤية، لنجد أنفسنا نتسابق مع التيار عبر ممر مليء بالشعاب المرجانية، حتى لاحت أمامنا جزر خضراء غير مأهولة. وما إن رسونا قبالة جزيرة بودام، حتى أدركت أننا وصلنا إلى أرخبيل تشاغوس، أحد أكثر مجموعات الجزر عزلة على وجه الأرض، والذي يتألف من سبع جزر مرجانية وستين جزيرة متناثرة في المحيط الهندي. تقع جزيرة سالومون، أقصى الجزر المرجانية شمالاً، على بعد 286 ميلاً بحرياً جنوب جزر المالديف، وهي مكان معزول يتطلب الاعتماد على الذات. وبعد ست سنوات من رحلة حول العالم، وصلنا إلى هنا حاملين معنا كل ما نحتاجه، لنجد هذه الجزر الصغيرة في خضم نزاع دولي بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة وموريشيوس حول السيادة وإرث الحكم الاستعماري. تسيطر المملكة المتحدة على جزر تشاغوس منذ عام 1814، وقد انفصلت عن موريشيوس عام 1965، لكن موريشيوس تزعم أنها أُجبرت على التنازل عنها. وفي عام 1967، بدأت بريطانيا بإجبار سكان تشاغوس على الرحيل لبناء قاعدة عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة، ومنذ استقلالها عام 1968، تطالب موريشيوس بالسيادة على تشاغوس. وفي ظل ضغوط دبلوماسية، وقّعت المملكة المتحدة اتفاقية لتسليم إدارة الجزر إلى موريشيوس عام 2025، لكن الرئيس الأمريكي السابق وصفها بأنها “حماقة بالغة”. وبينما يتصارع القادة بشأن مستقبل جزر تشاغوس، فإن الأدلة على ماضيها المتشابك موجودة في كل مكان، فهي نقية ومسكونة بالأشباح في آنٍ واحد. تُعدّ جزر تشاغوس من بين أكثر النظم المرجانية سلامة على كوكب الأرض، لكنها مغلقة أمام السياح، ولا يمكن استكشافها إلا بتصاريح مسبقة. وخلال إقامتنا التي استمرت أربعة أسابيع، استكشفنا الشعاب المرجانية الغنية بالحياة، وسرنا في مسارات مظللة، واصطدنا الأسماك، لكن الهشاشة كانت بادية للعيان في كل مكان. وفي جزيرة بودام، استكشفنا غابة كثيفة وعثرنا على بقايا كنيسة وسجن ومدرسة، وشعرنا بأن الجزر نقية ومسكونة بالأشباح في آنٍ واحد. تواصلنا مع آن ماري جيندرون، وهي من سكان تشاغوس السابقين، وأخبرتنا أنهم أُجبروا على الرحيل لإفساح المجال للجيش الأمريكي، وأنهم لم يكن لديهم مأوى آخر. وقد استوطنت جزر تشاغوس لقرون، ونشأت ثقافة مختلطة مميزة، لكن قبل إنشاء القاعدة العسكرية، أصرت الولايات المتحدة على إخلاء المنطقة، وطُرِد جميع السكان. أُجبرت العائلات على ركوب السفن ونُقلت إلى موريشيوس وسيشيل، وعاش الكثيرون في الفقر المدقع. وبعد عمليات الإخلاء، هُجرت معظم الجزر، وعندما أُعلنت منطقة بحرية محمية واسعة في عام 2010، احتُفي بجزر تشاغوس كإنجاز بيئي. وبعد سنوات من المفاوضات، أُعلن في عام 2025 عن اتفاقية لنقل سيادة الجزر إلى موريشيوس، لكن المملكة المتحدة ستحتفظ بالسيطرة التشغيلية على دييغو غارسيا لمدة 99 عاماً. ويرى البعض أن هذا تقدم، بينما يراه آخرون مألوفاً بشكلٍ مُقلق. ويقول فرانكي بونتيمبس، وهو ناشط من شعب تشاغوس، إن التمييز ضد شعب تشاغوس شكّل حياته، ويرفض الطريقة التي يُوصف بها سكان تشاغوس عادة بأنهم موريشيوسيون. وفي يناير/كانون الثاني 2026، اعترضت الإدارة الأمريكية على المعاهدة، وعلّقت الحكومة البريطانية التشريع وعادت إلى المفاوضات مع واشنطن، ثم تراجعت الولايات المتحدة عن موقفها مجدداً بعد أسابيع. ويقول بونتيمبس إن كل شيء يجري خلف الأبواب المغلقة، والأمر أشبه بعام 1965، فهم بلا صوت. وتقول حكومة المملكة المتحدة إنها تواصلت مع مجتمعات جزر تشاغوس وما زالت ملتزمة بالاستماع إلى مختلف الآراء. وبالنسبة للعديد من سكان تشاغوس، فإن الأمر شخصي للغاية، فما زال كبار السن يموتون دون أن يروا وطنهم مرة أخرى. وفي حين يرحب البعض بإمكانية العودة إلى الجزر الخارجية، هناك من يرفض الاتفاق رفضاً قاطعاً. ويحذر نشطاء البيئة من ضرورة إدارة أي عودة بشرية بعناية فائقة، إذ ثمة مخاوف من أن دولة موريشيوس قد تفتقر إلى الموارد اللازمة لحماية المحمية البحرية بحجمها الحالي. ترتفع مستويات البحار لتزيد من حدة عدم اليقين، ويتشكل مستقبل جزر تشاغوس بفعل تغير المناخ بقدر ما يتشكل بفعل الدبلوماسية. وإذا ما فُتحت أبواب السياحة، فمن المرجح أن تبقى محدودة. وقد تصبح جزر تشاغوس يوماً ما نموذجاً للوصول المنضبط إلى أحد أكثر أنظمة الشعاب المرجانية روعة في العالم، وقد تُدار من قبل أحفاد أولئك الذين طُردوا منها ذات يوم. وتقول لي آن ماري جيندرون: “كانت جزر تشاغوس جنة، لكنها كانت أيضاً موطننا”. ولا أزال أحتفظ اليوم بصورة فوق مكتبي تُظهر رمال الجزر البيضاء، وأشجار النخيل المائلة، ومياهها الزرقاء المتلألئة، لكن ما لا تُظهره هو الأسماء الممحوة في المقبرة، والأصوات الغائبة عن المفاوضات، والأسئلة التي لا تزال تُطرح حول مستقبلها.
















