يمثل إلغاء الفصل 54 من قانون المالية لسنة 2026، الذي […]
يمثل إلغاء الفصل 54 من قانون المالية لسنة 2026، الذي نسخ الفصل 45 من قانون المالية لسنة 2019، تحولاً كبيراً في تنظيم المدفوعات النقدية في تونس. ورغم تقديمه رسمياً كإجراء لتبسيط الإدارة واحترام الحقوق الدستورية، يثير هذا القرار تساؤلات عميقة حول آثاره الحقيقية على مكافحة غسل الأموال والاقتصاد غير الرسمي والمصداقية المالية للبلاد على الصعيد الدولي. وخلافاً للاعتقاد السائد، لم يقتصر الفصل 45 على مجرد تحديد سقف للمدفوعات النقدية بـ 5000 دينار. وكما تذكر سمية شيبان، دكتورة في الضرائب وأستاذة بالمعهد العالي للدراسات التجارية بقرطاج، كان الأمر يتعلق بآلية قانونية مشروطة تعتمد على تتبع المدفوعات. وتوضح قائلة: “لقد احتل الفصل 45 مكانة مركزية في هيكل مكافحة غسل الأموال، لأنه ربط بشكل مباشر الصلاحية القانونية للعقود بشفافية طريقة الدفع”. عملياً، منع الفصل 45 البلديات من إضفاء الشرعية على توقيعات الأطراف في عقد نقل ملكية بمقابل يتعلق بالعقارات أو الأصول التجارية أو وسائل النقل عندما يتم دفع الثمن نقداً بما يتجاوز الحد المسموح به. ولا يمكن تسجيل الأفعال المعنية لدى مكاتب المالية أو تحريرها من قبل كاتب العدل دون دليل على وجود دفعة مصرفية أو بريدية قابلة للتتبع. وكانت هناك غرامة ضريبية تعادل 20٪ من مبلغ المعاملة، بحد أدنى 1000 دينار، في حالة عدم الامتثال. وكان الهدف من هذا النظام هو منع قناة كلاسيكية لغسل الأموال، لا سيما عن طريق العقارات. وتؤكد سمية شيبان قائلة: “بدون الفصل 45، يمكن لأي شخص اليوم شراء عقار بمبالغ كبيرة نقداً وتسجيله قانوناً وتأمين العملية قانوناً، وهو ما كان مستحيلاً في السابق”. ومع ذلك، تعتبر العقارات تاريخياً واحدة من القنوات المفضلة لإعادة تدوير الأموال ذات المصادر غير المشروعة. وتشدد الخبيرة على وجود ارتباك واسع النطاق في النقاش العام. إن إلغاء الفصل 45 لا يعني التحرير الكامل للدفع نقداً. ولا تزال القواعد الضريبية التي تنظم النقد سارية المفعول. ومنذ عام 2023، أصبحت المصاريف وضريبة القيمة المضافة والاستهلاك المرتبطة بالعمليات التي تتم تسويتها نقداً بما يزيد عن 5000 دينار قابلة للخصم الضريبي مرة أخرى، ولكن في مقابل غرامة قدرها 20٪، بحد أدنى 2000 دينار. بالإضافة إلى ذلك، يظل المورد أو مقدم الخدمة الذي يتلقى دفعة نقدية دون الإعلان عن هوية عميله عرضة لغرامة قدرها 8٪ من المبلغ الإجمالي المستلم. وفي الوقت نفسه، ألغى المرسوم بقانون رقم 3 المؤرخ 14 أكتوبر 2024 تجريم حيازة أو تداول مبالغ نقدية تزيد عن 5000 دينار دون مبرر. وكان الهدف من هذا الإصلاح هو تصحيح الآثار المفرطة المزعومة لنظام جزائي عاقب بشدة صغار المزارعين والتجار والحرفيين، الذين لا يزال نشاطهم يعتمد إلى حد كبير على النقد. في الواقع، يندرج إلغاء الفصل 45 أيضاً في سياق هيكلي مقيد. إن انخفاض معدل استخدام الخدمات المصرفية، وتعقيد فتح الحسابات، والانتشار المحدود لبطاقات الائتمان، والعمولات المرتفعة على محطات الدفع الإلكترونية تجعل استخدام النقد منطقياً من الناحية الاقتصادية بالنسبة لجزء كبير من الجهات الفاعلة. وتقدر سمية شيبان قائلة: “لا يمكننا فرض تتبع مثالي دون إعداد البنية التحتية المصرفية”. وقد تفاقم هذا الضعف بسبب إصلاح الشيكات الذي دخل حيز التنفيذ في عام 2025. ووفقاً لبيانات البنك المركزي التونسي، انخفض عدد الشيكات المستخدمة من 12.3 مليون إلى 4.1 مليون بين شهري يناير ويونيو 2025، أي بانخفاض يزيد عن 60٪. وانخفضت المعاملات اليومية عبر منصة Tunicheck بنفس النسب. وقد أدى هذا الانخفاض الهائل ميكانيكياً إلى تفضيل العودة إلى النقد، مما يدل على العلاقة الوثيقة بين سلوكيات الدفع وتوافر الأدوات المالية. وتتعلق نقطة أخرى أثارتها الخبيرة بتناقض مؤسسي كبير. ففي حين أن التشريعات المتعلقة بمكافحة غسل الأموال تحد بشدة من قبول المدفوعات النقدية من قبل الكيانات الاعتبارية، فإن بعض الإدارات العامة تواصل، من الناحية العملية، المطالبة بالمدفوعات النقدية أو قبولها، بحد أقصى 3000 دينار تونسي، مع تطبيق حقوق إضافية. وتأسف قائلة: “إن الدولة تفرض على الجهات الاقتصادية ما لا تفرضه دائماً على نفسها”، مما يضعف النطاق المعياري للنظام بأكمله. وبالإضافة إلى الاعتبارات الداخلية، يأتي إلغاء الفصل 45 في وقت يعتبر حرجاً. ومن المقرر أن تخضع تونس لتقييم جديد من قبل فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية (GAFI) في فبراير 2026. وحتى في غياب العقوبات الرسمية، تؤثر هذه التقييمات بشكل مباشر على تصور المخاطر القطرية وتكلفة العمليات المصرفية الدولية وثقة المستثمرين الأجانب. وفي هذا السياق، فإن تعديل نظام التتبع المالي عشية مثل هذا الموعد النهائي يرسل إشارة غامضة. وتذكر سمية شيبان قائلة: “فيما يتعلق بمكافحة غسل الأموال، فإن الإشارة لا تقل أهمية عن القاعدة”، معتبرة أن توقيت هذا الإلغاء “سيئ الاختيار بشكل خاص”. وترى الخبيرة أن إلغاء الفصل 45 لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته، بل نقطة انطلاق لإصلاح أكثر تماسكاً. وهي تدعو إلى إنشاء آليات بديلة ذات مصداقية، تجمع بين تعزيز القدرات المصرفية والرقمنة الحقيقية للمدفوعات وقدوة الإدارة والتفعيل الفعلي لأدوات الرقابة الضريبية القائمة، ولا سيما مبدأ “من أين أتت هذه الأموال؟” المنصوص عليه في قانون الحقوق والإجراءات الضريبية.


















