يروي رامي، الشاب السوري الذي قضى أربع سنوات في مصر، […]
يروي رامي، الشاب السوري الذي قضى أربع سنوات في مصر، تجربته المريرة قائلاً: “كنا قرابة 35 شخصاً في زنزانة لا تتجاوز 16 متراً مربعاً بقسم شرطة ثان أكتوبر، جنوب غربي القاهرة. رُحّلتُ إلى سوريا بعد ستة أيام، وكنت أتمنى البقاء في مصر، حيث كنت سعيداً حتى بعد تغيير النظام في سوريا”. يختصر رامي (اسم مستعار) بهذه الكلمات تفاصيل توقيفه وترحيله المفاجئ في يناير الماضي، حيث ألقي القبض عليه من قبل رجال أمن بزي مدني داخل صالون حلاقة في مدينة السادس من أكتوبر، بسبب انتهاء صلاحية أوراق إقامته. ويضيف: “صعدتُ إلى حافلة أمنية تجولت في المنطقة حتى جمعت نحو 15 سورياً وسودانياً”. كان رامي، البالغ 27 عاماً، قد وصل إلى مصر عام 2022 بعدما عجز عن إيجاد عمل مناسب في سوريا، مفضلاً البقاء في مصر رغم وجود عائلته هناك وتغير الأوضاع السياسية في بلاده. دخل مصر بتأشيرة سياحية لمدة ستة أشهر وجددها، لكن بعد إلغاء هذا النوع من التأشيرات للسوريين عام 2024، تقدم بطلب لجوء إلى المفوضية وحصل على “الكارت الأصفر” المؤقت، لكنه لم يحصل بعد على موعد للإقامة الرسمية. تبدأ إجراءات الإقامة بتسجيل طالب اللجوء لدى المفوضية، ثم الحصول على البطاقة الصفراء أو الزرقاء، ثم حجز موعد للحصول على الإقامة المصرية، ويحمل معظم طالبي اللجوء إيصالاً يثبت انتظارهم لتحديد موعد. يوفر الكارت الأصفر لحامله وضعاً قانونياً وحماية من الترحيل، بحسب المفوضية. رامي ليس الوحيد، فقد وثقت بي بي سي شهادات أخرى لمحتجزين ومرحلين سودانيين وسوريين، وسط تقارير حقوقية تتحدث عن “حملة أمنية واسعة” تستهدف اللاجئين في مصر خلال شهري ديسمبر ويناير الماضيين. أثارت وفاة السوداني مبارك قمر الدين (67 عاماً) أثناء احتجازه في قسم شرطة الشروق جدلاً واسعاً، حيث تقول ابنته “مشتهى” إن والدها قُبض عليه رغم حيازته “الكارت الأصفر” ساري المفعول، لكن إقامته المصرية كانت منتهية، وكان لديه موعد لتجديدها. وتضيف: “أبلغنا مندوب السفارة بتوقف قلبه بعد تسعة أيام من الاحتجاز. توفي والدي، مريض السكري، في الحبس”. ويقول بعض المفرج عنهم إن قمر الدين توفي بسبب الاختناق جراء سوء التهوية، وما زالت العائلة تنتظر تقرير الطب الشرعي. كما توفي الشاب السوداني النذير الصادق (18 عاماً) في قسم شرطة مدينة بدر بعد 25 يوماً من الاحتجاز، رغم كونه ملتمس لجوء مسجلاً لدى المفوضية، بحسب منظمات حقوقية. ووثقت الشبكة المصرية لحقوق الإنسان وفاة سوداني ثالث في قسم شرطة العجوزة بسبب الاختناق والتكدس. ولم يصدر رد فعل رسمي مصري بشأن هذه الوقائع. وكان مقررون أمميون قد نبهوا في تقرير عام 2025 إلى أن قانون اللجوء الجديد في مصر يتعارض مع التزاماتها الدولية، ويُدخل طالبي اللجوء في “فراغ قانوني يسمح بالاحتجاز والترحيل”. يبلغ عدد اللاجئين المسجلين لدى المفوضية حالياً أكثر من مليون ومائة ألف، يمثل السوريون 10% منهم، والسودانيون 76%. ووثقت “منصة اللاجئين في مصر” “آلاف حالات الاعتقال الجماعي والترحيل القسري”، مشيرة إلى أن 10% من السودانيين المُرحّلين كانوا حاصلين على الإقامة المصرية. واللافت هذه المرة هو ترحيل أعداد كبيرة من السوريين بعد أكثر من 10 سنوات في مصر. وطبقاً لمنظمة العفو الدولية، تم ترحيل سوري واحد، بينما يواجه آخرون خطر الترحيل، رغم صدور أوامر بالإفراج عن بعضهم. ولم يصدر تعليق من الحكومة المصرية على تقرير العفو الدولية. تقول معلمة الرياضيات السودانية اعتماد إن ابنيها (23 و17 عاماً) تم القبض عليهما بالقرب من مركز تجاري في الشروق، وضمن من تم إيقافهم مع الراحل مبارك قمر الدين، قبل أن يتم ترحيلهما إلى السودان. تعيش اعتماد وعائلتها في مصر منذ نحو سنتين، بعد مقتل زوجها في الخرطوم. سجل أبناؤها في المفوضية للحصول على “الكارت الأصفر”، لكن صلاحية بطاقاتهم انتهت داخل القسم، وكانوا على موعد في مايو للحصول على الإقامة المصرية، ولعدم امتلاكهم إياها حالياً، أبلغتهم السفارة بترحيلهم إلى السودان. أما السوري محمد (اسم مستعار) فقد أُطلق سراحه بعد 6 أيام من القبض عليه في القاهرة، وقال إن نحو 15 سورياً وسودانياً كانوا محتجزين معه، وتم ترحيل بعضهم. لكن محمد وآخرين تم تبكير موعد حصولهم على الإقامة المصرية. يرى السفير حسين هريدي أن السلطات تحاول تقنين أوضاع اللاجئين لأسباب أمنية، مشيراً إلى أنهم دخلوا مصر دون تأشيرات، وأن السلطات لا تعلم انتماءاتهم السياسية. وتواصلت بي بي سي مع وزارة الداخلية للتعليق، لكنها لم تتلقَّ رداً. ويقول اللواء فاروق المقرحي إن الأمن إذا اشتبه في مواطن يقوم بتوقيفه، فما بالنا بالأجانب الذين دخلوا دون تأشيرة، ومصر استقبلتهم على الرحب والسعة، لذلك من حقها فحصهم حفاظاً على الأمن القومي. تؤكد الشهادات أنه لا توجد قاعدة واضحة فيما يخص الترحيل، فالنيابة عادة ما تخلي سبيل معظمهم، بينما تقوم إدارة الجوازات بترحيل بعض من لا يملكون الكارت الأصفر، وأحياناً بعض من يملكونه أيضاً. ويرى السفير حسين هريدي أن تحركات السلطات تأتي في إطار تقنين أوضاع اللاجئين لدوافع أمنية. ويقول اللواء فاروق المقرحي إن الفحص الأمني يستغرق وقتاً، مؤكداً أن عدم ترحيل جميع الموقوفين والتعجيل لبعضهم بمواعيد الإقامة دليل على عدم التعسف. بالنسبة للسوريين، شددت مصر في 2024 إجراءات دخولهم، وأصبحت تشترط موافقة أمنية مسبقة وتأشيرة ورقية، وألغت تسهيلات الحصول على التأشيرة عند الوصول، وأوقفت تجديد الإقامة السياحية، ما ألزم المقيمين بتقنين أوضاعهم عبر أنواع أخرى من الإقامات. وبحسب منصة اللاجئين في مصر، دفع ذلك عشرات الآلاف من السوريين إلى حالة “عدم انتظام قانوني قسري”، ما جعلهم عرضة للتوقيف المفاجئ. ويرى هريدي أن التغيرات السياسية في سوريا ربما أسهمت في تشديد الرقابة الأمنية، مشيراً إلى أن بعض من يحملون الجنسية السورية قد لا تكون لهم جذور فعلية في سوريا، وهو ما تعتبره السلطات مسألة تستدعي التدقيق. وقالت السفارة السورية إن الإجراءات “اعتيادية وتكررت سابقاً”، فيما نفى السفير السوداني أن تكون الحملات قد تمت بطلب من حكومة بلاده. ويعتقد إن مصر وفد إليها ما يقرب من مليون سوداني منذ اندلاع الحرب الأهلية الأخيرة. في المقابل، يصف المحامي السوداني عاطف توفيق حالة الجاليات بـ”الذعر”، حيث بات الكثيرون يخشون مغادرة منازلهم خشية التوقيف العشوائي. وبخلاف الخوف من التوقيف، قالت نقابة الصحفيين السودانيين إن تصاعد خطاب الكراهية تجاه اللاجئين السودانيين في مصر يزيد من معاناتهم. مددت مصر مهلة توفيق أوضاع الأجانب المقيمين بصورة غير شرعية حتى 30 سبتمبر 2026، مع اشتراط وجود مستضيف مصري وسداد 1000 دولار، بينما يُستثنى اللاجئون المسجلون لدى المفوضية من هذه الشروط. وحسب تقديرات رسمية مصرية، فإن أعداد اللاجئين من نحو 133 دولة يمثلون 8.7% من حجم السكان في مصر. وتقول الحكومة المصرية إنها تستضيف نحو 10.7 مليوناً من المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، يحصلون على الخدمات الأساسية كافة بنفس معاملة المصريين، حسب تصريح لوزير الخارجية المصري أمام مجلس حقوق الإنسان الدولي. كما كرر الرئيس المصري التأكيد على سياسة بلاده في عدم حصر اللاجئين في مخيمات، باعتبارهم ضيوفاً مرحباً بهم قدموا من ظروف سيئة ويساهمون في الاقتصاد المصري.














