عقب إلقاء القبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، صرح الرئيس […]
عقب إلقاء القبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو، صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن “الهيمنة الأمريكية على النصف الغربي من الكرة الأرضية لن تكون موضع شك بعد الآن”. وبينما يشدد ترامب على قوة واشنطن، تواصل الصين وروسيا جهودهما لتوسيع نفوذهما. ويرى محللون أن هذه الدول تسعى لإرساء نظام عالمي جديد، مما يؤثر على أوروبا والقوى الإقليمية الأخرى. ونسلط الضوء هنا على كيفية استخدام الولايات المتحدة والصين وروسيا أدواتها العسكرية والاقتصادية والسياسية للتأثير على دول مجاورة وأبعد. ففي ظل إدارة ترامب، تعيد الولايات المتحدة تعريف سياستها الخارجية واستراتيجيات أمنها القومي مع التركيز على النصف الغربي، وهو تحول عن الرؤساء السابقين الذين تبنوا رؤية أكثر شمولية. ويقول مسؤولون إن هذا يمثل تطبيقاً لسياسة “أمريكا أولاً” التي تركز على قضايا تؤثر مباشرة على الأمريكيين. وتثير تصريحات ستيفن ميلر، كبير مستشاري ترامب، حول عالم “تحكمه القوة والنفوذ والسلطة”، مقارنات مع سياسة كيسنجر ونيكسون، أو جهود ماكينلي وروزفلت لبناء الإمبراطورية الأمريكية. وبالتوسع في “عقيدة مونرو”، أكد روزفلت دور الولايات المتحدة في حفظ النظام وحماية الأمريكيتين. ومع بداية ولايته الثانية، أعرب ترامب عن اهتمامه بالأقاليم والقضايا المجاورة، مثل عملية القبض على مادورو، وضربات تهريب المخدرات، وإجراءات الضغط على دول أمريكا اللاتينية، ودعم مرشحين في الانتخابات المحلية، ودعوات لضم قناة بنما وغرينلاند وكندا. وجاء في استراتيجية الأمن القومي أن التفوق الأمريكي في النصف الغربي شرط للأمن والازدهار، مما يسمح لها بتأكيد نفسها بثقة. لكن هذه الاستراتيجية تصطدم بمحاولات القوى الخارجية، وعلى رأسها الصين، للتأثير على جيران أمريكا. وأبدى ترامب اهتماماً بالتوسط في اتفاقيات السلام وتعزيز العلاقات مع دول عربية، ويرى هو ومستشاروه أن الولايات المتحدة مدافعة عن الحضارة الغربية. وعلى الرغم من أن السياسة الخارجية الأمريكية قد تكون مرتبطة بنظرة “أمريكا أولاً”، فإن آراء ترامب ومصالحه ستستمر في دفع أجندة الولايات المتحدة الدولية. وعلى مدى تاريخها، تحولت السياسة الخارجية الأمريكية من الانعزالية إلى التدخل، مع مزيج من المثالية والبراغماتية. ورغم التغيرات الكبيرة خلال فترة رئاسة ترامب الثانية، لا يوجد دليل على أن هذه التحولات قد وصلت إلى نهايتها. أما الصين، فنفوذها العالمي لا يقتصر على منطقة معينة، بل يمتد إلى كل ركن من أركان العالم، مستخدمة مهارتها في الصناعة. وتنتج الصين نحو ثلث السلع المنتجة في العالم، وتسعى لامتلاك المستقبل عبر ضمان حصولها على الحصة الأكبر من المعادن الأرضية النادرة، التي تعالج الصين قرابة 90 في المئة منها. واستخدمت الصين هذا النفوذ ضد ترامب، مما قلص صادراتها خلال الحرب التجارية. ويمثل هذا تحولاً هائلاً للصين، التي كانت عام 2000 لاعباً ثانوياً. ومع حلول عام 2026، ظهر شي جين بينغ كزعيم عالمي طموح، يمارس قوته ونفوذه من خلال التجارة والتكنولوجيا والاستثمارات المدعومة بجيش متنامٍ. وصعود الصين من دولة فقيرة إلى قوة صناعية وتكنولوجية كبرى يلقى صدى لدى العديد من الاقتصادات الناشئة، التي ترى هذا بمثابة تحديث بدون تغريب. وفي عام 2001، تجاوز حجم التبادل التجاري بين أكثر من 80 في المئة من اقتصادات العالم والولايات المتحدة حجم التبادل التجاري بين اقتصاداتها والصين. أما الآن، فإن قرابة 70 في المئة من اقتصادات العالم تتبادل تجارياً مع الصين أكثر من الولايات المتحدة. كما ركزت بكين على التنمية واستثمرت بكثافة في الاقتصادات الناشئة كجزء من مبادرة الحزام والطريق. وأدى ذلك إلى تزايد ديون العديد من البلدان لبكين. وبعد عملية ترامب في فنزويلا، أثير تساؤل حول ما إذا كانت ستمنح الصين أفكاراً لغزو تايوان. لكن بكين تنظر إلى الجزيرة ذات الحكم الذاتي باعتبارها شأناً خاصاً بها. وإذا قرر شي غزو تايوان، فلن يكون ذلك بسبب سابقة أمريكية، فيما يعتقد معظم المحللين أن الصين ستواصل استراتيجيتها المتمثلة في توظيف الإكراه لإضعاف شعب تايوان، بهدف إجبار تايوان على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. ويريد الرئيس الصيني عالماً يتطلع إلى بكين ويُعجب بها، ويصوّر الاضطرابات العالمية الراهنة في عهد ترامب على أنها فترة “تحول”. أما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فقد وصف انهيار الاتحاد السوفيتي بأنه “أكبر كارثة جيوسياسية” في القرن العشرين، وهو ما يعكس وجهة نظره بشأن ما يسميه الروس “الخارج القريب”. وبالنسبة لكثيرين، يشير المصطلح ذاته إلى أن حق الجمهوريات في إقامة دولة مستقلة أقل بطريقة ما من الدول البعيدة في “الخارج البعيد”. ووفقاً لهذا المنطق، فإن لروسيا مصالح مشروعة في هذه البلدان، يحق لها الدفاع عنها. ومدى نطاق نفوذ روسيا مفهوم فضفاض، وتعمد الكرملين الغموض بشأن المكان الذي يعتقد أن حدوده تقع فيه. وقال بوتين سابقاً إن “حدود روسيا لا تنتهي أبداً”، وبالنسبة لبعض مؤيدي سياساته التوسعية، فإن مجال نفوذ روسيا يشمل جميع الأراضي التي كانت تاريخياً تابعة للإمبراطورية الروسية، وربما أكثر من ذلك. وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل موسكو تشير إلى المناطق التي ضمتها من أوكرانيا باعتبارها “مناطق تاريخية”. ونظرياً، يحترم الكرملين سيادة الجمهوريات السوفيتية السابقة وغيرها من الدول التي يقول إن له فيها “مصالح”. لكن عملياً، لديه سجل حافل باستخدام الضغوط الاقتصادية والعسكرية ضد الدول التابعة سابقاً، عندما تبدأ في التفكير بمغادرة المدار الروسي. واكتشفت أوكرانيا ذلك بطريقة صعبة، فعلى مدى أكثر من عقد بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، انتهجت حكومتها سياسات تتوافق إلى حد كبير مع أهداف الكرملين، واستضافت قاعدة بحرية روسية رئيسية في شبه جزيرة القرم على البحر الأسود. وكان الكرملين راضياً عن العلاقة حتى انتخبت أوكرانيا الرئيس الإصلاحي الموالي للغرب فيكتور يوشتشينكو. وفي عهده، قطعت روسيا إمدادات الغاز مرتين عامي 2006 و2009. وعندما لم ينجح الضغط الاقتصادي والتدخل السياسي، غزت روسيا شبه جزيرة القرم وسيطرت عليها عام 2014، وشنّت غزواً شاملاً لأوكرانيا عام 2022. وعلى نحو مماثل، شنت روسيا حرباً ضد جورجيا عام 2008، عندما كان يقودها الرئيس الإصلاحي ميخائيل ساكاشفيلي. وعزز هذا سيطرة روسيا ووسعها لتشمل نحو 20 في المئة من أراضي جورجيا. ومنذ ذلك الحين، دأبت القوات الروسية على دفع النقاط الحدودية والأسلاك الشائكة إلى عمق الأراضي الجورجية، في ممارسة تُعرف محلياً باسم “الاحتلال الزاحف”. وغياب رد فعل غربي ذي مغزى على غزو روسيا لجورجيا في 2008 وأوكرانيا في 2014 لم يؤد إلا إلى تعزيز اعتقاد بوتين بأن “الخارج القريب” ملك له. وبينما قاومت أوكرانيا وجورجيا الهيمنة السياسية لموسكو مما أدى إلى التدخل العسكري، ظلت بعض الجمهوريات السوفييتية السابقة متحالفة مع روسيا. ولا تزال حكومات خمس منها – بيلاروسيا وطاجيكستان وقيرغيزستان وكازاخستان وأرمينيا – تستضيف قوات روسية. وبالنسبة لأوكرانيا وجورجيا، بدأت المشاكل عندما انتخبتا حكومتين أعلنتا طموحهما لمغادرة دائرة نفوذ روسيا من خلال تنفيذ إصلاحات ديمقراطية وتطوير علاقات أوثق مع الغرب. وما تلا ذلك لم يكن جديدا بأي حال من الأحوال، فالتاريخ مليء بصراعات يتم خوضها بحجة الدفاع عن المصالح وحماية الأقليات. بعد الحرب العالمية الثانية، ثم بعد الحرب الباردة، بُذلت جهود حثيثة لتحويل المجتمع الدولي إلى مجتمع متساوٍ، بصرف النظر عن حجمه أو نوع أسلحته، لكن عودة مفهوم مناطق النفوذ قد تعيدنا جميعاً إلى حقبة أكثر قتامة من الماضي.














