هل كنت ستختلف لو ترعرعت في بيئة أخرى؟ سؤال قديم […]
هل كنت ستختلف لو ترعرعت في بيئة أخرى؟ سؤال قديم حول أثر الطبيعة والتنشئة يجيب عليه باحثون، مستكشفين تأثيره على هويتك. ذات مساء، في قرية قرب كلكتا، سألتني ابنة عمي: “هل يأكل الناس في السويد الأبقار والخنازير؟” شعرت بالخجل وأنا أؤكد لها. ثم سألت: “وهل يأكلون الكلاب والقطط؟” سؤال منطقي، لكنه لم يخطر ببالي، فقد نشأت في السويد حيث الأبقار مصدر غذاء. ابنة عمي، عاشقة الحيوانات، لم تكن تأكل اللحوم. زياراتي للهند كشفت لي تأثير الثقافة في تفكيرنا وشعورنا وسلوكنا. هل كنت سأمتلك قيماً وأحلاماً مختلفة لو نشأت هناك؟ سؤال حيّر العلماء، وبدأ علم النفس عبر الثقافات في البحث عن إجابات. الحمض النووي فريد، لكنه لا يحدد هويتنا وحده، كما تقول زيادا أيوريتش، عالمة الوراثة النفسية. عاشت أيوريتش في عدة بلدان، وتؤكد أن البيئة تؤثر في نظرتنا للأمور. لدراسة ذلك، يقارن العلماء التوائم المتطابقة وغير المتطابقة. تحليل واسع النطاق أظهر أن العوامل الوراثية تفسر 50% فقط من الاختلافات. الطبيعة والتنشئة تشكلان شخصياتنا ومعتقداتنا. بالطبع، تؤثر البيئة في بعض السمات أكثر من غيرها. الذكاء موروث بنسبة تزيد عن 50%، بينما سمات الشخصية بنسبة 40%. أيوريتش، المنفتحة، تقول إن النرويج غيرت شخصيتها. “أنا أقل انفتاحًا الآن.” لكنها لا تزال تميل إلى الأنشطة التي تشجع التفاعلات العفوية. هذه التركيبة تشكل أدمغتنا مع مرور الوقت، كما تقول تشينغ يو هوانغ، عالمة النفس متعددة الثقافات. “كنت ستصبح شخصاً مختلفاً لو نشأت في تايوان.” يوافق فيفيان فينيول، عالم النفس عبر الثقافات، على أن الثقافة تشكل نظرة الناس لأنفسهم. كان العلماء يفترضون أن علم النفس البشري عالمي، لكن فينيول وجد أن هذا ليس صحيحًا. الغربيون أكثر فردية، بينما اليابانيون أكثر جماعية. دراسة قارنت فحوصات الدماغ، ووجدت أن الجزء المسؤول عن الوعي الذاتي ينشط عند الغربيين عند التفكير في أنفسهم، بينما ينشط عند الصينيين عند التفكير في أمهاتهم أيضاً. دراسة أخرى أظهرت أن الأطفال التايوانيين أكثر ميلًا لطاعة آبائهم مقارنة بالمهاجرين الصينيين في إنجلترا. دراسة عام 2022 قارنت سمات الشخصية في 22 دولة، ووجدت أن الدول التي تولي أهمية للانضباط الذاتي سجلت درجات أعلى في الالتزام والتنظيم. الثقافات الغربية تتمسك بالقيم الثابتة، بينما الثقافات المرنة تنظر إلى الذات على أنها أكثر قابلية للتغيير. الغربيون يركزون على العناصر الفردية، بينما اليابانيون يركزون على السياق الأوسع. مع ذلك، يجب التعامل مع هذه النتائج بحذر، إذ يصعب فصل السلوك والشخصية والثقافة. النظرة الثنائية بين الشرق والغرب للفردية مقابل الجماعية “مبسطة للغاية”، وقد تغفل اختلافات مهمة بين مجموعات أو أفراد محددين. السؤال حول ما إذا كنا سنبقى الشخص نفسه في ثقافة مختلفة هو سؤال فلسفي. استطلاع رأي أظهر أن البعض يعتقد أن هويتنا ناتجة عن حيوان منوي وبويضة مُحددين، وأن أفكارنا ومشاعرنا ليست هي ما يشكل هويتنا. آخرون يعتقدون أن الذات ليست بيولوجية، بل مُتجسّدة في شيءٍ أشبه بالروح. دراسات تُظهر أن الكثيرين يعتقدون أن لديهم “ذاتاً حقيقيةً” ذات جوهر أخلاقي جيد. فلاسفة آخرون يرون أن البيئة المحيطة تُشكّل أيضاً الهوية الأساسية للفرد. في إحدى التجارب، اعتقد الليبراليون أن رجلاً مسيحياً ينجذب إلى رجال آخرين يتصرف وفقًا لذاته الحقيقية، بينما اعتقد المحافظون أنه يُخالف المسيحية الحقيقية. غوف يعتقد أن هناك نوعًا من “الوحدة الأساسية” للخلايا والجسيمات، وأن الوعي متأصل في هذا التركيب. بالنسبة للأشخاص الذين نشأوا في أكثر من ثقافة، يصعب التخلص من الشعور بأن الإنسان نتاج بيئته الاجتماعية إلى حد كبير.














