للوهلة الأولى، بدت القصة أشبه بفيلم سينمائي: شخص يدّعي أنه […]
للوهلة الأولى، بدت القصة أشبه بفيلم سينمائي: شخص يدّعي أنه “أمير سعودي نافذ” يتصل بسياسيين لبنانيين، وينقل إليهم “مواقف سعودية رسمية” حول تسمية رؤساء حكومات وانتخابات رئاسية وتعيينات أمنية. لكن التحقيقات القضائية كشفت لاحقاً أنها ليست مجرد ادعاءات عابرة، بل قضية احتيال معقدة شغلت الرأي العام اللبناني لأسابيع، ووضعت شخصيات سياسية ودينية ورجال أعمال تحت دائرة الضوء. لم يسمع اللبنانيون بقصة “الأمير السعودي المزيف” عبر بيان أمني، بل تسربت من الصالونات السياسية إلى الإعلام، ثم انتقلت إلى القضاء. ففي أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، تحدثت أوساط سياسية عن “اتصالات غامضة” ترد إلى نواب ووزراء سابقين من رقم غير لبناني، يتحدث صاحبه بلهجة سعودية واثقة، ويلمح إلى نفوذه في الرياض. ومع تكرار الشهادات، تحولت القصة إلى مادة للتكهنات والسخرية عن “أمير لا يظهر ولا يلتقي أحداً، لكنه يعرف كل شيء”. وفي 20 كانون الثاني/يناير 2026، أصدرت قاضية التحقيق الأولى في بيروت رولا عثمان مذكرتي توقيف بحق مصطفى الحسيان والشيخ خلدون عريمط، بتهمة “ابتزاز سياسيين، وانتحال صفة العمل داخل الديوان الملكي السعودي، والإساءة إلى علاقات لبنان بالسعودية”. وتستمع القاضية عثمان إلى عدد من السياسيين كشهود، فيما تتواصل التحقيقات لتحديد حجم الشبكة المحتملة. وكان الحسيان موقوفاً في قضية تهريب أشخاص، قبل أن تتوسع التحقيقات لتشمل انتحال صفة. ويشمل الملف أربعة أشخاص، بينهم الشيخ خالد السبسبي ومحمد عريمط، وهما متواريان عن الأنظار. وتعود جذور القضية إلى عام 2018، حين تراجع الانخراط السياسي السعودي المباشر في لبنان، وانحسرت قنوات التواصل التقليدية مع السياسيين اللبنانيين، بالتزامن مع اعتزال سعد الحريري العمل السياسي، ما أوجد فراغاً في فهم الموقف السعودي من التطورات اللبنانية. وفي هذا السياق، ظهر اسم “أبو عمر” كشخصية تعمل في “الديوان الملكي السعودي”، وتمتلك نفوذاً يسمح لها بالتأثير في قرارات سياسية داخل لبنان، من دون أي حضور علني أو صفة دبلوماسية معروفة. واعتمد على الاتصالات الهاتفية لتقديم نفسه وسيطاً قادراً على فتح قنوات مغلقة، مقابل أموال أو خدمات متبادلة. ولم يصدر عن السعودية أو سفارتها في بيروت أي تعليق رسمي حول القضية. وتقول رواية الدفاع إن القضية تعود إلى سنوات مضت، حين تعرف مصطفى الحسيان إلى الشيخ خلدون عريمط خلال افتتاح مسجد. واقترح عريمط على الحسيان شراء رقم هاتف أجنبي، واستخدامه للاتصال بشخصيات لبنانية بصفة “رجل أعمال سعودي مهم” أو “شخصية نافذة”. وكان عريمط يتصل بالحسيان عندما يكون برفقة سياسيين، ويعرّف عنه بالقول: “ألقوا السلام على الأمير أبو عمر”، ليقوم الحسيان بتزكية عريمط والتأكيد على أنه يحظى بـ”ثقة المملكة العربية السعودية” و”محبتها”. وبدأت الخيوط تتفكك مع رجل أعمال كان يعتزم الترشح للانتخابات النيابية، حين اكتشف أن “أبو عمر” والحسيان هما الشخص نفسه. وتشير التحقيقات إلى وجود نحو 350 اتصالاً بين عريمط ومصطفى الحسيان منذ عام 2022. وينكر عريمط التهم المنسوبة إليه، ويؤكد محاميه أنه “لا يوجد حتى الآن أي ادعاء شخصي من سياسيين ضده”، كما لم تتقدم السعودية أو سفارتها في بيروت بأي شكوى تتعلق بجرم تعكير العلاقات معها، مشدداً على “عدم وجود أدلة دامغة” تثبت تورط موكله في القضية حتى الآن. ولا تزال التحقيقات في مراحلها الأولى، بانتظار استكمال الاستجوابات وتحديد المسؤوليات.
















