للوهلة الأولى، بدت القصة أشبه بحبكة سينمائية: شخص ينتحل صفة […]
للوهلة الأولى، بدت القصة أشبه بحبكة سينمائية: شخص ينتحل صفة “أمير سعودي نافذ” ويتصل بسياسيين لبنانيين، ناقلاً إليهم “مواقف سعودية رسمية” حول تسمية رؤساء حكومات وانتخابات رئاسية وتعيينات أمنية. لكن التحقيقات القضائية كشفت لاحقاً أنها ليست مجرد ادعاءات عابرة، بل قضية احتيال معقدة شغلت الرأي العام اللبناني لأسابيع، ووضعت شخصيات سياسية ودينية ورجال أعمال تحت دائرة الضوء. لم يسمع اللبنانيون بقصة “الأمير السعودي المزيف” عبر بيان أمني، بل تسربت من الصالونات السياسية المغلقة إلى الإعلام، ثم انتقلت إلى مسار قضائي واضح. ففي أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، تحدثت أوساط سياسية عن “اتصالات غامضة” ترد إلى نواب ووزراء سابقين من رقم غير لبناني، يتحدث صاحبه بلهجة سعودية واثقة، ويلمح إلى نفوذه داخل دوائر القرار في الرياض. ومع تكرار الشهادات وتشابه التفاصيل، خرجت القصة إلى العلن عبر الصحافة ووسائل التواصل الاجتماعي، لتتحول إلى مادة للتكهنات والسخرية عن “أمير لا يظهر ولا يلتقي أحداً، لكنه يعرف كل شيء”. وبعد أسابيع من التحقيقات، أصدرت قاضية التحقيق الأولى في بيروت رولا عثمان مذكرتي توقيف بحق مصطفى الحسيان والشيخ خلدون عريمط، بتهمة “ابتزاز سياسيين، وانتحال صفة العمل داخل الديوان الملكي السعودي، والإساءة إلى علاقات لبنان بالسعودية”. وتستمع القاضية عثمان إلى عدد من السياسيين الذين وردت أسماؤهم في الملف بصفة شهود، فيما تتواصل التحقيقات لتحديد حجم الشبكة المحتملة وتبيان الأدوار والمسؤوليات. وتعود جذور القضية إلى عام 2018، وهي مرحلة شهدت تحولات في علاقة السعودية بلبنان، حيث تراجع الانخراط السياسي السعودي المباشر وانحسرت قنوات التواصل التقليدية مع سياسيين لبنانيين، بالتزامن مع اعتزال سعد الحريري العمل السياسي. وفي هذا السياق، ظهر اسم “أبو عمر” كشخصية تعمل في “الديوان الملكي السعودي”، وتمتلك نفوذاً يسمح لها بالتأثير في قرارات سياسية داخل لبنان، من دون أي حضور علني أو صفة دبلوماسية معروفة، معتمداً على الاتصالات الهاتفية لتقديم نفسه وسيطاً قادراً على فتح قنوات مغلقة، مقابل أموال أو خدمات متبادلة. وتقول رواية الدفاع إن خيوط القضية تعود إلى سنوات مضت، حين تعرّف مصطفى الحسيان إلى الشيخ خلدون عريمط خلال افتتاح مسجد، حيث اقترح عريمط على الحسيان شراء رقم هاتف أجنبي، واستخدامه للاتصال بشخصيات لبنانية بصفة “رجل أعمال سعودي مهم”. وبحسب زعيتر، اقترح عريمط لاحقاً على الحسيان، الذي يتقن التحدث بلهجة بدوية، شراء رقم هاتف أجنبي، واستخدامه للاتصال بشخصيات لبنانية بصفة “رجل أعمال سعودي مهم” أو “شخصية نافذة”. وبدأت الخيوط تتفكك مع رجل أعمال كان يعتزم الترشح للانتخابات النيابية، حيث كُشف أن “أبو عمر” والحسيان هما الشخص نفسه. وتشير التحقيقات إلى وجود نحو 350 اتصالاً بين عريمط ومصطفى الحسيان منذ عام 2022، فيما ينكر عريمط جميع التهم المنسوبة إليه.
















